المحور الأول: من الدفاع عن الشرعية إلى هندسة المعنى
لا تنتهي المعارك عند حدود الجغرافيا، بل تُعيد الكلمات تشكيلها في كثير من الأحيان قبل الرصاص. ففي الحروب غير المتكافئة، لا يقتصر الصراع على الميدان المادي، بل يمتد غالباً إلى ساحة أكثر عمقاً تتمثل في معركة تعريف الواقع؛ فمن يملك التأثير في صياغة الأسئلة الموجهة للصراع يمتلك بالضرورة فرصة أعلى لتوجيه الإجابات، وفرض الإطار المعرفي الذي يُقرأ من خلاله التوازن بين الانتصار والهزيمة، أو الشرعية والعدوان.
ويُقصد بهندسة السيادة في هذا المقال محاولة الفاعل السياسي الانتقال التدرجي من موقف الدفاع عن شرعيته داخل الإطار الذي يحدده الخصم، نحو محاولة بناء إطار أكثر استقلالية يسعى لإعادة تعريف الفاعلين والمشكلة والزمن وشروط التسوية. ولا يُقصد بالسيادة هنا معناها القانوني المحصور بالدولة والحدود فحسب، بل يُفهم منها بُعدها الأوسع بوصفها قدرة نسبية على التأثير في قواعد التفاعل وحدود الفاعلية داخل الفضاء السياسي الرمزي، وترجمة هذا المعنى عبر ممارسات سياسية وتفاوضية وميدانية تُسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين أطراف الصراع.
وفي هذا السياق، يمكن التحليل عبر التمييز بين نمطين رئيسيين من الخطاب السياسي في البيئات الصراعية:
1- خطاب الدفاع أو الأسر: وهو خطاب يؤدي وظيفة حيوية تتمثل في الدفاع عن الشرعية والرد على الاتهامات وتفسير المواقف أمام الجمهور. غير أن حدود فاعليته تظهر عندما يتحول إلى حالة دائمة تتحرك داخل المفاهيم التي يفرضها الخصم؛ فعندما يقال مثلاً: “لقد تحملنا هذه الخسائر لأن العدو هو المسؤول عن الحرب”، فإن الخطاب يطرح رواية مضادة، لكنه يظل في حيز الاستجابة للسؤال الذي صاغه الآخر حول مسؤولية الكلفة، دون أن يمتد ذلك بالضرورة إلى إعادة تعريف بنية الصراع ذاتها.
2- خطاب الهندسة أو إعادة التشكيل: وهو خطاب يتجاوز الاقتصار على الرد الدفاعي نحو محاولة إعادة صياغة عناصر المشهد عبر طرح أسئلة تأسيسية تتعلق بطبيعة الفاعل، وجذر المشكلة، ومصدر الشرعية، ومعايير النجاح وشكل المرحلة التالية.
وتستند هذه الرؤية إلى نموذج تحليلي يرتكز على خمسة تحولات خطابات محتملة:
أولاً: السعي لنقل الفاعل من موقع “المتهم المدافع” إلى موقع “المعرّف لدوره وشرعيته”.
ثانياً: إزاحة تعريف المشكلة من سؤال “كيف نوقف الأزمة؟” إلى “ما الشروط التي تمنع تكرارها وتضمن السيادة؟”.
ثالثاً: انتقال معيار الشرعية من التوقف عند “إثبات الحق” إلى محاولة “إنتاج معايير التقييم”.
رابعاً: إعادة تأطير إدارة الزمن من مجرد “تفسير الخسائر” إلى أدوات “بناء مسار مستقبلي متصل بالتضحيات”.
خامساً: محاولة الانتقال في هندسة التسوية من “التعامل مع شروط الخصم” إلى “المشاركة في تحديد بنية التسوية ذاتها”.
تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التحولات المفترضة تُفهم ضمن بيئة تفاعلية مع مرسل إليه أساسي وهو الجمهور؛ إذ يمثل الوعي الجمعي والاستجابة الجماهيرية حاضنة الموارد الرمزية والميدانية للخطاب. ورغم أن هذا الإطار التحليلي يركز بشكل رئيسي على البنية الخطابية والاستراتيجية للفاعل، فإن دور الجمهور يُعد محددات مضمرة وحاكمة لمدى نجاح هذه الهندسة أو تعثرها، مما يجعل التفاعل بين الخطاب ومتلقيه مساحة حيوية تستدعي دراسات مسحية وتطبيقية مستقلة في أبحاث مستقبلية.
المحور الثاني: كيف يعيد الخطاب تعريف الفاعل والخصم (أو العدو) والزمن؟
يمكن قراءة هذا التحول المحتمل بوصفه امتداداً تطبيقياً لتقاطعات نظرية متعددة في الاجتماع السياسي:
مع بيار بورديو (Pierre Bourdieu): يتضح أن السيادة لا تختزل في القوة المادية، بل ترتبط بالقدرة على فرض التصنيف والمعنى وممارسة السلطة الرمزية في الفضاء السياسي.
مع ميشال فوكو (Michel Foucault): يُقرأ الصراع بوصفه منافسة على سلطة إنتاج الخطاب المحدد للمقبول والمشروع، والتحكم في الشروط التي تجعل رواية ما أكثر قبولاً من غيرها.
مع إرفنغ غوفمان (Erving Goffman): يظهر دور “الأطُر المعرفية” (Framing) في توجيه قراءة الأحداث وتفسير دلالاتها.
مع جوزيف ناي (Joseph Nye): يتأكد أن القوة تشمل إلى جانب الإكراه المادي القدرة على التأثير في تصورات الآخرين وأولوياتهم.
إن الانتقال نحو الهندسة الخطابية لا يعني إلغاء معركة الشرعية، بل يبدو محاولة للارتقاء بها لتصبح قوة تفاوضية تنقل السؤال من “هل نملك الحق؟” إلى “كيف نؤثر في شروط المشهد والتسوية؟”.
وتقدم الرسالة الموجهة من السيد مجتبى خامنئي إلى شباب حزب الله في تموز/يوليو 2026 مادة تحليلية لتطبيق هذا النموذج، حيث يمكن رصد المؤشرات التالية:
1- إعادة تأطير شروط النهاية: يُقرأ التأكيد على “إن إنهاء العدوان بصورة كاملة ومن دون أي قيد أو شرط هو شرط أول في مذكرة تفاهم إنهاء الحرب” بوصفه محاولة لإعادة نقل مركز التفاوض من سؤال الإيقاف المباشر إلى سؤال الشروط والمحدادت الحاكمة لمرحلة ما بعد المواجهة.
2- إدارة أزمة الرموز والبناء البنيوي: يبدو إبراز المضي على “نهج الإمام الخميني والقائد الشهيد آية الله العظمى الخامنئي” محاولة لتظهير الاستمرارية المؤسسية، واستيعاب غياب القيادات عبر تحويل الفقدان إلى عنصر اختبار وتثبيت لاستقرار النظام البنيوي.
3- إعادة إخراج الأدوار والقوة الرمزية: تعكس الصياغات التي تصف المقاومة بـ”رائد الفصائل” و”الصخرة الصلبة” مسعى لتقديم الفاعل بوصفه رقماً مركزياً في المعادلة الإقليمية، في مقابل محاولة نزع الشرعية الأخلاقية عن الخصم لتعزيز البُعد الإدراكي والرمزية التفاوضية.
4- صياغة الزمن السياسي: تظهر استعارة “غرسة تحولت إلى شجرة باسقة” دلالة على محاولة تأطير التضحيات ضمن مسار تاريخي تراكمي يهدف إلى منع قراءتها بوصفها مجرد استنزاف أو نقطة انكسار مغلقة.
5- الردع الإدراكي عبر التدويل: يبدو تقديم المواجهة بوصفها “رسالة ملهمة للشعوب الحرة” محاولة لنقل الخطاب إلى مدى استراتيجي أوسع يهدف لرفع الكلفة السياسية والأخلاقية على الطرف الآخر.
المحور الثالث: الصراع على إيقاع التفاوض: من يحدد شروط النهاية؟
تُمثل المسارات التفاوضية والميدانية الميدان العملي لاختبار مدى فاعلية التأطير الخطابي؛ إذ لا يقتصر الصراع على مضامين الاتفاقات، بل يمتد ليشمل التحكم في إيقاع الزمن والأولويات التفاوضية.
ويتجلى هذا الصراع الإدراكي عند تحليل التصريح الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كامب ديفيد (31 تموز/يوليو 2026)، والذي أبدى فيه استياءه من طول النقاشات المتعلقة بالملف النووي. إذ يمكن تفسير هذا التصريح بوصفه مؤشراً على وجود تعارض بين منطقين:
المنطق الأول: يميل للتعامل مع الزمن بوصفه كلفة يجب ضغطها للوصول إلى حسم سريع اعتماداً على التفوق المادي.
المنطق الثاني: يحاول استخدام التفاصيل والمطاولات الزمنية كأداة تفاوضية لبناء الضمانات وتثبيت أبعاد السيادة.
وقد ظهر هذا التدافع الإدراكي بوضوح في بيان ترامب عبر منصة (Truth Social)، والذي جمع بين التلويح باستخدام القوة الاستثنائية وإعلان تأجيل العمل العسكري بناءً على طلبات إقليمية وإشارات لاتفاق مشروط. إذ يمكن قراءة هذا النمط الخطابي بوصفه محاولة للتغطية على مراجعة خيارات التصعيد العسكري عبر إسباغ البُعد الأخلاقي والتفاوضي على قرار التأجيل.
على صعيد الآليات التفاوضية والسلوك السياسي، تشير التقارير الإعلامية—ومنها ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية—إلى أن بنيامين نتنياهو علم بقرار إلغاء الهجوم عبر المنشور المباشر في المنصة التواصلية. ويمكن تفسير هذه المفارقة بوصفها مؤشراً على نجاح إيقاع الصراع الممتد في دفع واشنطن لاتخاذ قرارات أحادية تراعي حساباتها الاستراتيجية الخاصة، مما أدى عملياً إلى هامشية التنسيق المباشر مع حليفها الإقليمي في تلك اللحظة.
كما يُستشف من التسريبات التحذيرية الصادرة عن قائد القيادة الأمريكية في أوروبا (EUCOM) الجنرال أليكسيس غرينكيفيتش، وما تلاها من تقارير حول تحذيرات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بشأن تآكل مخزونات الدفاع الجوي، أن الردع الإدراكي المتبادل تقاطع مع ضغوط لوجستية وميدانية واقعية. وهو ما قد يكون ساهم في إجبار صناع القرار على إعادة تقييم الكلفة، ونقل المشهد تدريجياً نحو أطر التفاوض وهندسة التسوية.
المحور الرابع: بين هندسة السيادة وهندسة السردية
من الضروري التمييز تحليلياً بين إحراز “السردية” وتحقيق “السيادة”؛ فالقدرة الخطابية على توجيه التفسيرات لا تتحول تلقائياً إلى سيادة مادية ما لم تقترن بترتيبات مؤسسية وميدانية وسياسية صلبة.
ويواجه نموذج “هندسة السيادة” محددات موضوعية تحكم مدى فاعليته؛ من بينها طبيعة البيئات الإعلامية المغلقة، أو حدة الصدمات العسكرية الميدانية التي قد تتجاوز التأطير اللغوي، إضافة إلى درجة الاستقطاب الداخلي ومدى الفجوة بين الخطاب والممارسة الواقعية.
الخاتمة والنتائج العامة
في الخاتمة، لا يفترض مفهوم “هندسة السيادة” قدرة الخطاب بمفرده على إحداث تغيير مطلق في موازين القوى المادية، لكنه يطرح إطاراً يفسر كيف يمكن لإعادة تعريف أسئلة الصراع أن تشكل مورداً سياسياً ومفهومياً يساهم في إدارة المواجهة. وتكمن الأهمية التحليلية لهذا النموذج في قابليته للاختبار والتطبيق على حالات صراعية متعددة، بهدف رصد مدى نجاح الفاعلين في الانتقال من موقع الدفاع عن الشرعية إلى المشاركة في صياغة شروط التسوية وبنية النظام السياسي الناتج عنها.



