لبنان: مع وضد، حاضر وغائب، مقدّس ومدنّس.. براعة بري ورصد السفراء لجلسة مساءلة الحكومة وطرح الثقة / د. عاطف الموسوي

لم تكن جلسة مساءلة الحكومة ومناقشة أدائها ثم طرح الثقة بها استثناءً في الحياة البرلمانية اللبنانية. فالسجال الحاد والاتهامات المتبادلة يمكن أن يظهرا في أي برلمان، كما أن مساءلة الحكومة ومناقشة أدائها ثم طرح الثقة بها من صميم العمل النيابي. لكن خصوصية المشهد اللبناني لا تكمن في حدّة السجال وحدها، بل في قدرته على جمع مواقف متباينة داخل فضاء سياسي واحد، ثم تحويل ما جرى إلى روايات تتنافس على تفسيره.
وفي خضم ذلك المشهد، تدخل رئيس المجلس نبيه بري لإبقاء الجلسة ضمن حدودها البرلمانية، تاركًا مساحة للمواجهة السياسية، من دون السماح لها بأن تتحول إلى انفلات كامل. وحين تجاوز السجال حدًا معينًا، جاءت عبارته: «يا عيب الشوم». وقد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد استنكار عابر، لكنها في سياق إدارة الجلسة يمكن أن تُقرأ بوصفها لحظة ضبط لإيقاع المواجهة، بعد أن أُتيح للمتخاصمين أن يقولوا ما يريدون.
ولعل في طريقة إدارة التناقض داخل الجلسة ما يستدعي، على سبيل الاستعارة لا التفسير الديني، صورة «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ». وليس المقصود الجزم بأن بري استحضر الآية أو بنى ممارسته عليها، وإنما أن المشهد نفسه يسمح باستدعاء صورتها البلاغية: اختلاف لا يمنع اللقاء، ولقاء لا يلغي الاختلاف.
وهذا ما يفسر، جزئيًا، لماذا لا تكفي الخانات السياسية التقليدية لقراءة لبنان: مع أو ضد، حاضر أو غائب، مانح للثقة أو حاجب لها. فقد يكون طرف ما مشاركًا في السلطة ومعترضًا على خياراتها، حاضرًا سياسيًا وغير مشارك في إجراء محدد، أو موافقًا على أصل الحكومة من دون أن يمنحها الثقة في لحظة معينة.
وهنا لا يواجه المراقب الدبلوماسي في لبنان المشهد نفسه الذي قد يواجهه في برلمانات أخرى. ففي حالات كثيرة، يمكن للسفير أن يركّز بصورة أساسية على نتيجة التصويت: من منح الثقة، ومن حجبها، ومن امتنع، ومن غاب. أما في لبنان، فإن قراءة المشهد تحتاج إلى متابعة أكثر تركيبًا؛ إذ لا تكفي الأرقام وحدها لفهم الموقف السياسي.
فعلى السفير المعتمد أن يرصد أيضًا من حضر ولم يشارك، ومن شارك في النقاش ولم يشارك في التصويت، ومن غادر القاعة قبل لحظة حاسمة، وكيف صيغ الاعتراض، وكيف أُدير السجال، ومتى تدخل رئيس المجلس، وما الذي قيل وما الذي لم يُقل، ثم كيف ستُعاد صياغة الواقعة في الخطاب السياسي والإعلامي. فالمشهد اللبناني لا ينتهي عند إعلان النتيجة، بل يبدأ جزء من معناه بعد إعلانها.
وجاء التصويت على حكومة نواف سلام في 16 أيلول 2026 مثالًا واضحًا على ذلك. فقد نالت الحكومة 68 صوتًا، في مقابل 12 حاجبًا للثقة ونائبين امتنعا عن التصويت، فيما غادرت كتلة «الوفاء للمقاومة» القاعة قبيل طرح الثقة، فلم تشارك في الاقتراع.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الغياب والامتناع. فالممتنع حاضر ويشارك في عملية التصويت، لكنه لا يمنح الثقة ولا يحجبها. أما من يغادر قبل التصويت فلا يدخل في العملية الاقتراعية أصلًا. لذلك يمكن قراءة سلوك الكتلة وظيفيًا بوصفه عدم منح للثقة من دون الانتقال إلى حجبها بالتصويت. وهذه قراءة في الفعل وما أنتجه إجرائيًا، وليست حكمًا على النيات.
ولا تخص هذه القاعدة كتلة بعينها؛ فهي تصلح لقراءة أي قوة سياسية تتوزع مواقفها بين المشاركة والاعتراض، وبين الحضور السياسي وعدم المشاركة في بعض الأفعال الإجرائية.
وهنا تتضح صعوبة المهمة الدبلوماسية في لبنان أكثر. فالسفير الذي يكتفي بتسجيل خانة «مع» أو «ضد» قد يفوّت جزءًا من المعلومة السياسية. فالمغادرة ليست امتناعًا، والامتناع ليس غيابًا، والحضور السياسي ليس بالضرورة مشاركة إجرائية. كما أن العبارة التي تقال في لحظة توتر، وطريقة إدارة رئيس المجلس للنقاش، وتوقيت الانسحاب أو التدخل، قد تحمل قيمة تفسيرية لا تظهر في محضر الأرقام وحده.
لكن الواقعة لا تنتهي عند إعلان الأرقام. بعدها تبدأ معركة تسمية الموقف: هل يُقدَّم الخروج من القاعة اعتراضًا، أم تهربًا، أم صيغة مختلفة عن التصويت؟ هنا تنتقل الواقعة من إجراء موثق إلى خطاب سياسي وإعلامي، ثم إلى ذاكرة سياسية. فليست المسألة فقط في معرفة ما حدث، بل في معرفة أي رواية ستستقر لاحقًا بوصفها تفسيرًا لما حدث.
وينطبق الأمر نفسه على التقديس والتدنيس. فقد يُقدَّم شخص أو رمز أو مؤسسة بوصفه وطنيًا أو تاريخيًا، ثم يصبح في سياق آخر موضع اتهام أو نزع للشرعية. ولا تتغير الواقعة وحدها، بل قد تتغير اللغة التي تمنحها معناها وموقعها في الذاكرة العامة.
وفي اليوم نفسه الذي شهد جلسة المساءلة، قدّم الرئيس السابق ميشال عون شكوى جزائية أمام النيابة العامة التمييزية، على خلفية تسريبات مرتبطة بمطالعة النيابة العامة في قضية انفجار مرفأ بيروت. وقال عون في منشور على منصة «إكس» إن الشكوى جاءت «احترامًا لدماء الشهداء وصونًا للحقيقة والعدالة»، ضد جرائم «اختلاق الأضاليل والافتراء وإفشاء سرية التحقيق».
وهنا لا يبقى التسريب مجرد خبر، بل يصبح مادة قضائية. ولا تبقى الشكوى بيانًا سياسيًا، بل تتحول إلى إجراء. وهكذا تتجاور في اليوم الواحد: جلسة مساءلة تنتج أرقامًا، وشكوى قضائية تنتج رواية قانونية، وتعليق سياسي يدعو إلى خارطة طريق. وكلها تجتمع على سؤال واحد: من يملك حق تسمية ما جرى؟ ومن يملك رواية المرفأ — الذاكرة التي تمسّ الرموز والمؤسسات والدم؟
وتعيد المذكرات السياسية بناء الماضي بطريقة مختلفة. فهي لا تسجل الأحداث فحسب، بل ترتبها، وتفسر القرارات، وتوزع المسؤوليات، وتمنح بعض الوقائع وزنًا أكبر من غيرها. وهكذا لا تعود الذاكرة مجرد مستودع للماضي، بل تصبح مجالًا لإعادة ترتيب معانيه. فما يقدمه السياسي في مذكراته ليس مجرد سرد لما جرى، بل رواية عن نفسه وعن خصومه وعن المرحلة كلها، ومن هذه الذاكرة ينطلق موقف وليد جنبلاط بعد الجلسة ليضيف طبقة أخرى إلى المشهد، إذ قال إن «سيل الاتهامات والشتائم المتبادلة» لا ينفع في الندوة النيابية، داعيًا إلى خارطة طريق مستقبلية مبنية على توصيف الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام للوضع وكيفية معالجته. وهنا يعود البرلمان إلى وظيفته الأساسية: ليس فقط ساحة للمواجهة، بل مساحة يفترض أن تنتج أيضًا طريقة لإدارة المرحلة التالية.
وهكذا تتكامل المسارات الثلاثة في اليوم الواحد: بري يدير الجلسة فينتج رواية إجرائية، وعون يرفع الشكوى فينتج رواية قضائية، وجنبلاط يدعو إلى خارطة طريق فينتج رواية سياسية. وكلها تتنافس على تفسير ما جرى، وعلى تحديد معناه، وعلى موقعها في الذاكرة اللاحقة.
وفي هذا كله تتضح مفارقة السياسة اللبنانية: قد يلتقي المختلفون من دون أن يتفقوا، وقد يشارك طرف في السلطة من دون أن يوافق على خياراتها، وقد يكون حاضرًا سياسيًا وغائبًا إجرائيًا، وقد يتحول الحدث الواحد من واقعة موثقة إلى روايات متعددة، ثم إلى ذاكرة تتنازعها التقديس والتدنيس.
ولذلك لا يكفي أن يسأل المراقب: من مع من؟ بل يحتاج إلى أن يسأل: ماذا قيل؟ ماذا فُعل؟ ماذا لم يُفعل؟ من حضر؟ من غاب؟ من شارك؟ من لم يشارك؟ وما الذي أنتجه الفعل إجرائيًا؟ وكيف أُعيدت روايته؟ وما الذي سيبقى منه في الذاكرة السياسية؟
ولعل هنا تكتمل الصورة التي بدأت بها إدارة بري للجلسة: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾. فالمطلوب في السياسة ليس أن تتحول المواقف المختلفة إلى موقف واحد، ولا أن يلغي أحدها الآخر، بل أن يبقى للاختلاف حدّ يحول دون تحوله إلى إلغاء، وللالتقاء مجال لا يفرض التطابق.
لسنا بحاجة إلى أن نتفق في السياسة لكي نتفق على طريقة قراءتها.
فقد تتجاور المشاركة والاعتراض، والواقعة والرواية، والذاكرة والتفسير. وهنا ربما تكمن إحدى صور الهندسة السياسية اللبنانية: ليست في إزالة التناقضات، بل في إبقاء مساحة بينها، بحيث يلتقي المختلفون من دون أن يفقدوا اختلافهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *