حين خضع خطاب الرئيس نبيه برّي لمنطق التحليل العلمي في دراستنا المفهومية السابقة تحت عنوان “تحصيناً للنصر: برّي.. ابن اللبون… والفتنة”، لم نهدف الى استعراض أدوات لغوية أو بلاغية، بل الى تقديم فرضيات تفسيرية قابلة للاختبار الميداني والسياسي.
اعتمدنا حينها مبدأ القابلية للتكذيب (Falsifiability) عند الفيلسوف النمساوي-البريطاني كارل بوبر (Karl Popper) محددين معيار القوة النظرية لأي فرضية ليس بمدى حشد المؤيدات لها، بل بقدرتها الصارمة على الصمود أمام الوقائع الجديدة التي قد تنقضها أو تحدّ من صلاحيتها.
لقد انطلقت تلك الدراسة من ثلاث فرضيات مركزية:
- الفرضية الأولى: أولوية الفاعل السياسي هي تحصين النصر المنجز عبر نقل المواجهة من استدراج الشارع إلى حصن المؤسسات والدستور لمنع الفتنة.
- الفرضية الثانية: تمسّكه بمرجعية التسوية التوازنية الشاملة رفضاً للإملاءات المنفردة التي تحاول سلب الميدان مفاعيله.
- الفرضية الثالثة: تبنّيه الواعي لرمزية ابن اللبون كاستراتيجية امتناع إيجابي تحمي الذات والمقاومة من التفريغ (لا يُحلب) وتمنع التوظيف أو الاستدراج إلى الصراع الداخلي والإقليمي (لا يُركب).
اليوم، نضع هذه الفرضيات مجدداً أمام محك الإمبيريقية السياسية الشاملة، أي الملاحظة الميدانية التجريبية الواقعية، عبر التفكيك المنهجي الكامل للمقابلة الصحفية التي نقلها الكاتب زياد عيتاني عبر موقع “أساس ميديا” بتاريخ 26 تموز 2026. إذ تكتسب هذه المقابلة أهمية اختبارية استثنائية كونها تقدم المادة النصية المباشرة الشاملة المعبرة عن الرؤية الاستراتيجية لـعين التينة في مرحلة ما بعد التطورات الإقليمية الأخيرة، مما يتطلب استيعاب كل جزئية وفكرة وردت فيها لتكون لوحة مرجعية وافية.
أ_ الاستقرار الداخلي وحراسة المؤسسات
عند إخضاع الجانب الداخلي والمؤسساتي في المقابلة للفرضية الأولى، نجد صموداً بنيوياً كاملاً لا تشوبه أي واقعة ناقضة؛ إذ لم يظهر برّي بخطاب تعبوي أو صدامي، بل ثبّت موقعه المؤسساتي كـ “حارس عند باب الدولة والضامن للعيش المشترك”، معبراً عن ذلك بلغته الخاصة: “لا يهوى الرئيس نبيه برّي الجلوس على ضفّة النهر، وهو ليس بحارس للأحراج، بل انتدب نفسه، كما انتدبته الأيّام والظروف والأحداث، ليكون جالساً على كرسي عند باب الدولة، يحرسها ويرعاها، ليكون دوماً وأبداً الضامن لها وللعيش المشترك فيها”.
تجلى هذا التوجه في تظهير علاقاته بأركان السلطة؛ فحين سُئل عن علاقته برئيس الجمهورية جوزيف عون وصفها بـ “الممتازة”، وكشف عن تفصيل دقيق يعكس عمق التنسيق، إذ قال: “قبل سفره إلى واشنطن اتّصل بي قائلاً: بماذا توصيني؟، فقلت له: أوصيك بأمرين: تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيليّ الشامل، وعودة الناس إلى قراهم ومنازلهم. وعندما عاد من واشنطن اتّصلت به مهنّئاً بالسلامة، وسأزوره قريباً”. وعن علاقته بحكومة الرئيس نواف سلام وصفها بأنها “دائمة وملؤها المحبّة” (راسماً ابتسامة عريضة على وجهه).
وفي البعد المذهبي والوطني، حسم برّي قاطبة أسباب التوتر السني – الشيعي بإعادة إنتاج مقولته التأسيسية: “نحن محكومون بالتوافق في كل مكان وزمان… لو قال كلّ السنّة إنّ الإمام عليّ أحقّ بالخلافة، فماذا سيستفيد الشيعة؟ ولو قال كلّ الشيعة إنّ أبا بكر أحقّ بالخلافة، فماذا سيستفيد السنّة؟”، ثم أطلق صيغته الجامعة: “أنا شيعي الهوية، سني الهوى، وعربي المنتهى”.
هذا الحرص على السلم الأهلي ترافق مع تحديد واضح للشرط العملي لتحصين الاستقرار؛ والمتمثل في التوصية الصارمة والدائمة بـ “تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الشامل، وعودة الأهالي إلى قراهم”، كمعادلة ثلاثية لا انفكاك بين أجزائها ولا مساومة على جوهرها.
ب- الضمانة الثلاثية، ثناء ترامب، وحقيقة الوقت الميداني
أما الفرضية الثانية المتعلقة بشرعية التوازن الإقليمي ورفض المسارات المنفردة، فقد منحها نص المقابلة سنداً صريحاً ومفصلاً في البعدين الدولي والعربي. صرّح برّي بوضوح لا يقبل التأويل: “نحن في لبنان نحتاج إلى ضمانة ثلاثيّة تتألّف من المملكة العربيّة السعوديّة، الولايات المتّحدة الأميركيّة، وإيران”.
ويتجلى الدهاء السياسي في تعاطيه مع البعد الدولي حين استثمر التصريح المباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصفه فيه بأنه “رجل جيد” (A good man)، في مشهد يحمل دلالة استثنائية، إذ كان ترامب قد “قاطع كلام الرئيس عون ليقول ما قاله”، وهو ما يوحي بأولوية رمزية لبرّي على رئيس الجمهورية نفسه، مما عزز موقع الاقتدار والاستعلاء الذي ظهر في ثنايا المقابلة. فبدلاً من التعاطي مع هذا الثناء كإنجاز شخصي أو كرهان منفرد على واشنطن، أعاد توظيفه بلاغياً وسياسياً لربطه بالعمق العربي، معلقاً بقناعة وتودد استراتيجي: “من تحبّه المملكة السعوديّة يحبّه العالم كلّه، ويبدو أنّ المملكة السعوديّة تحبّني أكثر من بعض اللبنانيّين”. هذا الربط الذكي يؤكد تمسكه بالمعادلة الثلاثية الضامنة ورفضه الانجرار خلف أي مسار أحادي.
ولم تقتصر إشارته إلى السعودية على المستوى السياسي، بل تجاوزته إلى البعد الروحي والوجداني، حين قال: “لقد أدّيت فريضة الحجّ ثلاث مرّات، والحمد لله. في كلّ مرّة كان الأخوة في المملكة السعوديّة حريصين على دعوتي وتكريمي والاهتمام بي”. هذا التأكيد على المرجعية الدينية والدبلوماسية معاً يمنح “الضمانة الثلاثية” شرعية مضاعفة، ويُظهر أن العلاقة مع الرياض ليست تكتيكاً آنياً، بل جذور راسخة تمتد في الزمن.
وفي المقابل، لم يخفِ برّي شكوكه العميقة تجاه التهدئات الشكلية، إذ أعلن بصراحة أنه “غير متفائل بالوصول إلى نتائج إيجابيّة حاسمة ومكمن عدم تفاؤله هو الوقت”. واستشهد بالواقع الميداني الحرج في الجنوب، مشيراً بمرارة إلى حدود بلدة “زوطر الغربية” واستمرار الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية التي تحول دون العودة الآمنة والكاملة للأهالي إلى قراهم وبلداتهم، مؤكداً أن العبرة تبقى بالتنفيذ الميداني وتثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الشامل وليس بالوعود السياسية.
ج- تحولات الملف السوري والنصائح الثلاث
تتضح الفرضية الثالثة في أبهى صورها وتفاصيلها التاريخية والسياسية عند التوقف أمام الملف السوري في المقابلة.
كشف برّي عن خلفية مساره التموضعي تجاه الأزمة السورية طوال 12 عاماً، مفرقاً بدقة بين مرحلتين: علاقته بالرئيس الراحل حافظ الأسد التي امتدت 25 عاماً وكانت “ممتازة قائمة على الثقة والتواصل”، وعلاقته بالرئيس السابق بشار الأسد التي اتسمت “بالتوتر والبرودة” لأكثر من اثني عشر عاماً لم يزر فيها دمشق. وهذا التفريق يُظهر أن موقفه لم يكن عداءً لسوريا كدولة، بل اعتراضاً على سياسات النظام السابق، مما يُبرر انفتاحه السريع على الإدارة الجديدة ويُكسب تحليل “المبادرة التوجيهية” منطقية أعمق.
وقد صاغ برّي هذا الخيار ببراغماتية عالية، معترفاً بكلفته الصريحة: “أنا الشيعيّ الوحيد في العالم العربيّ الذي لم يتورّط في الحرب داخل سوريا، وهو موقف دفعت ثمنه على مستوى العلاقة السياسيّة مع دمشق آنذاك”. ويمكن تفسير تفضيله تحمّل هذه الكلفة بأنه كان يهدف إلى تحقيق مكسب استراتيجي أثمن: الحفاظ على “عين التينة” كشبكة أمان ومرجعية دستورية محايدة، ونافذة دبلوماسية مقبولة حصراً لدى واشنطن والرياض. وإذ يوحي هذا التمايز، في عمقه، بانسجامٍ مضمر وتلاقٍ جيوسياسي مع الموقفين الأمريكي والسعودي المعارضين للنظام السوري السابق، فإنه يظل قراءةً تحليليةً تستند إلى سياق الموقف وليس إلى تصريح صريح به. فقد أدرك برّي – بحسب هذا التفسير – أن التورط في العمق السوري سيُحرق الجسور مع مظلة القرارين الأمريكي والسعودي. ومن هنا، كان هناك توزيع براغماتي ومتقن للوظائف والأدوار؛ فبينما اندفع الحلفاء نحو الردع الميداني المباشر، أبقى برّي مسافة أمان سياسية حررت عين التينة من تبعات الاصطفاف الحاد، وحفظت لها الشرعية والقبول لدى العواصم العربية والغربية، ليتظهّر اليوم كالمحاور والضامن شبه الوحيد المقبول إقليمياً ودولياً في مرحلة صياغة المعادلات الجيوسياسية الجديدة.
غير أن هذا الموقف يتطور في المقابلة ليتحول من المرونة الحذرة إلى المبادرة التوجيهية من موقع “حارس الباب”؛ وذلك خلال لقائه بالوزير أسعد الشيباني، الذي أكد أنه “لم يكن بروتوكوليّاً، بل اتّسم بصراحة كاملة وصدق منذ اللحظة الأولى”، وأنه، على خلاف عادته، “طلب أن يبدأ الحديث بنفسه قبل أن يتكلّم ضيفه، رغبةً منه في وضع مجموعة من الوقائع أمامه”. هذه الاستباقية في فرض أجندة النقاش تُظهر أن برّي لا ينتظر الأحداث، بل يرسم مسارها بنفسه.
وقد قدّم للعهد السوري الجديد ثلاث نصائح تأسيسية لمنع الفتنة الإقليمية: - عدم إقصاء العلويين وتجنب السقوط في نموذج الانتقام أو إعادة تجربة الأخطاء العراقية.
- طمأنة المكون المسيحي وحماية وجوده الأصيل والمباشر في المعادلة، مذكّراً بأن “المسيحيّين في سوريا أكثر عدداً من المسيحيّين في لبنان”.
- التعامل مع الشيعة كمواطنين أصلاء بكامل الحقوق والواجبات والتزام المواطنة الكاملة.
واقترن ذلك بوضع ثلاثية سيادية لا تنازل عنها لتنظيم العلاقات المستقبلية بين لبنان وسوريا: ضبط الحدود، الترسيم، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مؤكداً بعبارته الجوهرية: “لبنان تحدّه الأراضي الفلسطينيّة جنوباً، والبحر غرباً، وسوريا شرقاً، وإذا لم تكن العلاقات اللبنانيّة – السوريّة في أفضل حالاتها، فسنقفز جميعاً إلى البحر ونغرق معاً”.
د- سيكولوجيا الأداء: الابتسامة الاستراتيجية وحال المخاطَب لدى الجاحظ
تكتمل صورة التفكيك بالنفوذ إلى البعد السيكولوجي والتعبيري للخطاب؛ حيث غلفت المقابلة نبرة هادئة تتخللها الفكاهة والابتسامات الموزونة (“راسماً ابتسامة عريضة”).
يتجلى ذلك بوضوح في تعاطيه مع التواصل مع المملكة العربية السعودية وتوصيفه للمبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان بقوله: “رجل ذكيّ جدّاً، كثير التمحيص إلى درجة المغالاة (ضاحكاً)”، معترفاً بوجود “كيمياء خاصّة تربط الأمير يزيد بن فرحان والرئيس نبيه برّي”. غير أن هذا الوصف، في عمقه التحليلي، لا يعد مجرد فكاهة عابرة أو مجاملة بروتوكولية، بل هو تثبيت بلاغي لمكانة الرياض كشريك ضامن لا كوسيط عابر، وإعلان ضمني بأن التفاوض مع السعودية يتم عن عِلمٍ وروية، لا عن حاجة آنية أو انطباع عابر؛ مما يرسخ شرعية “الضمانة الثلاثية” التي جعلها برّي عماد تسويته، ويمنح توصيف الأمير يزيد وزناً استراتيجياً في معادلة التحصين السياسي.
إن هذه المرونة الشكلية والروح المريحة لا تمثل استرخاءً مجانياً أو تنازلاً، بل هي “كظم الغيظ” في أرقى أشكاله السياسية والسيكولوجية. يمارس الفاعل السياسي عبرها اقتداراً معنوياً، فيوجه رسالة لخصومه بأنه يمسك بزمام المبادرة والحلول. فالذي يبتسم وهو يصر على شروطه هو من يملك زمام المبادرة، لا من يخافها. وهي تشكل أيضاً اختباراً تكذيبياً للخصوم أنفسهم؛ فتُحاصرهم وتحرمهم من ذريعة الصدام، فلا يجدون أمام ابتسامته سوى القبول أو الظهور بمظهر المفتعل للأزمات، مما يجعل ساحة المواجهة غير قابلة للاستخدام العنيف.
تتطابق هذه الديناميكية تماماً مع نظرية الجاحظ في “مقتضى حال المخاطَب”؛ فإذا كان الجمهور والشارع في لحظات التوتر والفتنة يحتاجان إلى الخطاب الصارم والحذر، فإن مرام المرحلة الحالية – مرحلة احتواء الضغوط وتثبيت التسويات- يتطلب أداءً يفيض بالثبات والدفء واحتواء الأطراف والتأنيس بالملحة والفكاهة، مع الحفاظ الشديد والصارم على الجوهر الميداني والمطالب السيادية الصلبة.
الخاتمة
لم تُظهر المقابلة، في مجمل مكوناتها وبنيتها الخطابية، أي واقعة كافية لتكذيب الفرضيات الثلاث، بل قدمت معطيات إضافية عززت قدرتها التفسيرية ضمن حدود هذه الحالة المدروسة. فشمولية النص – من ملفات الجنوب والدولة، إلى سوريا والرياض وواشنطن وطهران، مروراً بالشفرات السيكولوجية للابتسامة والفكاهة، والتمييز الدقيق بين مرحلتي حافظ وبشار الأسد، والاعتراف الصريح بكلفة الموقف السوري، وتأكيد البعد الروحي والديني في العلاقة مع السعودية، والكيمياء الخاصة مع الأمير يزيد، والاستباقية في فرض أجندة اللقاء مع الشيباني – كلها عناصر مجتمعة تنسجم مع النموذج التفسيري المستند إلى استراتيجية “ابن اللبون” ومرونة “حارس الباب” كمنظومة تحليليّة قادرة على استيعاب وتفسير الحركة السياسية للرئيس برّي وقراءة خطابه في أدق لحظات التحول التاريخي.
غير أن هذا الاستنتاج، بطبيعته البوبرية، يظل مؤقتاً وقابلاً للمراجعة. فالفرضيات العلمية – كما علّمنا بوبر – لا تُثبت نهائياً، بل تظل صالحة طالما لم تجد واقعة تنقضها. ويبقى المجال مفتوحاً لاختبارات لاحقة قد تؤيد هذه الفرضيات أو تنقضها، خصوصاً حين تُختبر قدرة المعادلات الثلاثية والمرونة التي رعاها برّي على الانعكاس ميدانياً، على صورة انسحاب فعلي، وعودة آمنة وكاملة، وإنجاز ملموس يوقف التدمير الممنهج ويُعيد للأهالي قراهم. عندها فقط، قد نخضع النموذج التفسيري نفسه لامتحان أقسى، حين تُقاس الضمانات بميزان الأرض لا بميزان الوعود، وحين يُختبر صدق الابتسامة في حماية “الظهر” و”الضرع” معاً.
بيروت في 26 تموز 2026



