يُقدَّم «السرّ السياسي» في الخطاب الإعلامي المعاصر بوصفه كاشفاً لحقيقة مغايرة للمعلن، كما لو أن انتقال الكلام من الفضاء العلني إلى الغرف المغلقة يحوّله تلقائياً إلى حقيقة جديدة. في هذا السياق، جاء المقال المنشور في صحيفة «الأخبار» بعنوان «ماذا قال رئيس الجمهورية عن برّي في لقاء واشنطن المُغلَق؟ عون لترامب: حزب الله “سرطان”»، ليقدّم رواية عن كواليس لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
غير أن السؤال المنهجي الأكثر حزماً يظل: هل أضافت هذه الكواليس ما يغير من جوهر الموقف المعلن؟ الإجابة، سواء صحّ نقل الرواية أو صحّ نفيها – وفق بيان مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية الذي أكد أن ما نُسب من كلام «هو غير صحيح» – لا تختلف في النتيجة النهائية. ذلك أن جوهر ما نُسب إلى عون كان قد ظهر بوضوح في مواقفه العلنية في واشنطن، ولا سيما في كلمته بحفل السفارة اللبنانية. وهكذا تضعف أطروحة التباين الاستراتيجي بين العلني والسرّي؛ إذ لا يقوم المعيار على اختلاف العبارة، بل على اختلاف البنية الاستراتيجية. فإذا كان المنسوب سرّاً يُعيد إنتاج الهدف المعلن في العلن، فإن السرّ لا يشكّل اكتشافاً استراتيجياً، بل مجرد صياغة أخرى.
من هنا، يتأتّى تحليل خطاب عون عبر عدسات علم الجريمة وعلم الاجتماع الجنائي، حيث يقدّم هذا الخطاب تشخيصاً محدّداً ومعقّداً لحزب الله ولمفهوم المقاومة، يختلف جوهرياً عن التشخيص السياسي أو العسكري التقليدي. فهو لا يصف هذين الكيانين كما هما في الواقع، بل يعيد بناءهما خطابياً عبر آليات جنائية دقيقة تستهدف نزع الشرعية، وتوليد الذعر الأخلاقي، وتبرير نموذج من الضبط الأمني الاستثنائي.
فيما يخص تشخيص حزب الله، يُمارس الخطاب توسيماً جنائياً صارماً، إذ يحرص على عدم تسميته حزباً أو فصيلاً سياسياً، ويصرّ على وصفه بـ«جماعة مسلحة غير تابعة للدولة» تعمل «خارج سيطرة الحكومة»، ويكرر وصفه بـ«الجماعات المسلحة غير الشرعية العاملة خارج إطار الدولة». وتستفيد هذه القراءة من أدبيات التوسيم في علم اجتماع الانحراف، ومن مفهوم الوصمة عند إرفينغ غوفمان (Erving Goffman)؛ فالتوسيم هنا ليس وصفاً محايداً، بل فعل أدائي يخلق هوية جديدة للفاعل، يسحب منه صفته السياسية ويلصق به صفة الانحراف، فيُعاد صياغته كتهديد أمني صرف. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يمضي الخطاب إلى تعزيز هذا التشخيص بربط سلاح حزب الله بجرائم جنائية بحتة، حين يصف الجيش بأنه «خط دفاعنا الأول ضد تهريب المخدرات، والجريمة المنظمة، والتهريب عبر حدودنا». فعندما يوضع السلاح في السياق الخطابي نفسه الذي تُذكر فيه المخدرات والجريمة المنظمة والانفلات الأمني، لا يعود السلاح مجرد قضية سيادية أو عسكرية؛ بل يُعاد تقديمه كجزء من حزمة أخطار اجتماعية تهدد المجتمع، وهي إحدى آليات إنتاج ما يسميه ستانلي كوهين (Stanley Cohen) «الذعر الأخلاقي» (Moral Panic). وهذا الذعر لا ينشأ تلقائياً، بل يُبنى اجتماعياً عبر تفاعل ثلاثي: تضخيم وسائل الإعلام، ورواد الأخلاق الذين يستغلون الحدث، والجمهور الذي يتفاعل مع الصورة المشوّهة، لتُنتج النتيجة ما يسميه كوهين «شياطين شعبية» (Folk Devils)، وقد يقترن ذلك بما وصفه في كتابه «حالات الإنكار» (States of Denial) من آليات نفسية وسياسية تدفع الحكومات والأفراد إلى إنكار معاناة الآخرين رغم معرفتهم بها.
ثم يتجاوز الخطاب التوسيم إلى إعادة تعريف الصراع ذاته، إذ تعمل آلية التجريم الخطابي على نقل القضية من مجال الصراع مع الاحتلال إلى مجال الضبط الأمني والجنائي. فما كان يُقرأ كصراع سياسي-عسكري يُعاد صياغته كأزمة أمنية داخلية تُعالج بأدوات الضبط الجنائي. غير أن هذا التشخيص يقع في تناقض بنيوي واضح، فهو يعترف صراحة بأن «إزالة السبب الجذري الذي طالما استشهد به حزب الله كمبرر لوجوده، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية» هو الأساس، وهو اعتراف جوهري بالبعد البنيوي للمشكلة، لكنه يُفضي إلى حلّ سلوكي يركز على ما أُطلق عليه اسم “الجماعة المسلحة” وحدها متجاهلاً معالجة البنية التي أنتجتها. هذا الانفصام يُحمّل الفاعل الذي جرى تجريمه خطابياً مسؤولية التكيف مع بنية قمعية يقرّ الخطاب نفسه بوجودها، وهو تشخيص ناقص يهدف إلى تبرير العقاب دون تحمل تبعات التغيير البنيوي.
أما تشخيص مفهوم «المقاومة»، فيعمل الخطاب على إلغائه وإعادة تعريفه جذرياً، فالمقاومة لا توصف كحق أو قيمة وطنية، بل كامتياز حصري للدولة ومؤسساتها، إذ يكرر النص أن الجيش هو «المدافع الشرعي الوحيد عن هذا البلد» و«المؤسسة الوطنية الحقيقية الوحيدة» و«القوة الوحيدة التي لا تنتمي إلى طائفة، أو حزب، أو فصيل، بل إلى لبنان وحده»، مما يعني أن أي فعل مقاوم خارج هذا الإطار يتحول تلقائياً إلى فعل جنائي مهما كانت دوافعه أو أهدافه. ويُشخّص الخطاب المقاومة المسلحة غير الرسمية كمرحلة انتقالية يجب أن تنتهي بزوال سببها الموضوعي، لكنه لا يمنحها شرعية ذاتية، بل يعتبرها حالة شاذة. ويبلغ التشخيص ذروته بتحويل شباب المقاومة من مقاتلين من أجل التحرير إلى «مواطنين لبنانيين شكّلهم استثمار هائل ومستمر على الصعيد الأيديولوجي والاجتماعي والعسكري» يحتاجون إلى «إعادة إدماج»، وهو تحويل يجرد الفعل المقاوم من محتواه الأيديولوجي والسياسي ويختزله في حاجة نفسية-اجتماعية للانضباط.
يتجلّى هذا التشخيص الجنائي في نماذج العقاب التي يستلهمها الخطاب، حيث يخلق توليفة تخدم غرضاً استراتيجياً واحداً: فهو يستعير مفردات “نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج” (DDR) من سياقها الدولي القائم على التسوية السياسية، لكنه يضعها داخل بنية خطابية تقوم أولاً على نزع الشرعية السياسية عن الجماعة، بما يحوّل الإدماج من تسوية سياسية محتملة إلى إدارة لأفراد جرى تعريفهم مسبقاً بوصفهم مشكلة أمنية. وفي هذا الإطار، يعاقب أي اختلاف عن قاعدة «دولة واحدة، جيش واحد» التي تكررت ثلاث مرات بوصفها ضرورة وجودية، إذ يطلب «دعماً فورياً وغير مشروط لقوانا العسكرية» ويؤكد أن «الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يبسط سلطته على أرضه، ويتحكم بحدوده، ويحتكر وحده قرار الحرب والسلم»، مما يعني إدارة الجماعة المنحرفة عبر قرارات إدارية-عسكرية مباشرة.
في المحصلة، ينتج التحليل الجنائي تشخيصاً مزدوجاً: يختزل حزب الله من كيان سياسي-اجتماعي مقاوم إلى ظاهرة انحرافية جنائية تُدار عبر التوسيم والذعر الأخلاقي والضبط الاستثنائي، مع اعتراف متناقض بجذوره البنيوية دون معالجتها، ويفرغ مفهوم المقاومة من محتواه السياسي والأخلاقي ويعيد تعريفه كفعل احتكاري للسلطة، في حين تُشخّص أي مقاومة خارج المؤسسة العسكرية كحالة شاذة تحتاج إلى تأهيل لا إلى تفاوض أو اعتراف، وتُقطع العلاقة العضوية بين حزب الله والمقاومة الشرعية، فيصبح حزب الله عقبة أمام المقاومة لا جزءاً منها.
من «إعادة الإدماج» إلى «الاستئصال»، اختلاف اللغة لا يلغي تقاطع الغاية
تكشف لغة الرئيس عون في مقاربة المقاومة عن أكثر من مجرد خلاف على السلاح، إذ تُنقل المقاومة – حين تُطرح في سياق نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ضمن خطاب أوسع عن ضبط الانفلات الأمني والمخدرات والجريمة – من موقع الفاعل السياسي ذي التاريخ والسردية الوطنية إلى موقع المشكلة الاجتماعية والأمنية التي تحتاج إلى معالجة. وهنا يصبح مفهوما «التجريم الخطابي للمقاومة» و«المرضنة» مدخلين لتحليل هذه اللغة: فالمرضنة تنظر إلى الظاهرة كخلل في جسد المجتمع يحتاج إلى علاج، بينما ينقلها التجريم إلى موقع الانحراف عن الشرعية التي تحتكر السلطة تعريفها، فلا يعود السؤال عن أسباب نشأة المقاومة وسياقاتها وأهدافها، بل عن كيفية علاجها وتفكيكها وإعادة إدماجها.
وهنا ينبغي تفكيك مفهوم “إعادة الإدماج”، الذي ينتمي في سياقات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج إلى منظومة تدخل تتعامل مع الجماعات المسلحة بوصفها قوة ينبغي إنهاؤها وإعادة إدماج أفرادها في البنية المدنية، فحين يُنقل إلى المقاومة يؤدي وظيفة خطابية هي إعادة تعريفها من فاعل سياسي له قضية وتاريخ إلى مشكلة مؤسسية. والمفارقة الأعمق أن المقاومة تُقدّم كمشكلة يُستبعد من تعريفها تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب والاعتداءات المتكررة، كما يُستبعد موقع السلاح الأميركي الذي تستخدمه إسرائيل. وهنا يبرز السؤال السوسيولوجي والسيادي: من يملك حق تعريف المرض والجريمة، ومن يقرر أي سلاح هو انحراف وأي سلاح هو ضمانة؟
الرؤية الخطابية لإسرائيل عند الرئيس عون
يمكن استخلاص أن رؤية خطاب عون في واشنطن لإسرائيل تقوم على ثلاث مفارقات:
أولاً، يتجنب عون في خطابه تسمية إسرائيل كفاعل للدمار عبر بناء الفعل للمجهول، ويتفق النحويون وعلماء الاجتماع والخطاب على أن حذف الفاعل هو خيار تواصلي متعمد لإعادة تعريف الحدث. فإسرائيل فاعل غائب في توصيف العدوان، وحاضر في توصيف السلام؛ فتُخفَّف مسؤوليتها في السردية عن مصدر المشكلة، بينما يُعاد تقديمها بوصفها طرفاً في الحل.
ثانياً، إسرائيل سبب جذري معترف به لكنه مُقصًى من العلاج – اعتراف خطابي يُستخدم لتبرير نزع سلاح حزب الله، لكنه لا يُترجم إلى مطالب سياسية صارمة وفق برنامج زمني ملزم تجاه إسرائيل.
ثالثاً، إسرائيل دليل على الانفتاح الدولي – يُوظف اسمها كرمز للشرعية الدولية وللالتحاق بالحلف الأميركي، لا كعدو تاريخي أو احتلال يجب إنهاؤه.
هذه الرؤية ليست مجرد حذف عابر، بل هي استراتيجية خطابية متعمدة تهدف ربما إلى: تجنّب إحراج الجمهور الأميركي (حيث إسرائيل حليف رئيسي)، وإعادة تعريف الصراع كـ”أزمة داخلية” (سلاح حزب الله) لا كـ”عدوان خارجي” (إسرائيل)، وتحويل المطالبة بالسلام مع إسرائيل إلى دليل على التزام لبنان بـ”مسار الدولة”، وبالتالي كسب مزيد من الدعم الأميركي للنموذج الأمني الذي يطرحه الرئيس. وبذلك ينتج الخطاب، في قراءته الحالية، قطيعة معرفية مع الطريقة التي كان يُؤطَّر بها الصراع تاريخياً، حيث كانت إسرائيل تُوصف كعدو محتل، ليُحل محلها تصور جديد تُصبح فيه إسرائيل مجرد “طرف” في معادلة سلام تقودها واشنطن.
تظهر هنا المفارقة اللبنانية الكبرى: فالسلطة التي تتحدث اليوم عن «الانحراف عن الدولة» لا تستطيع أن تبدأ تاريخ الجنوب من لحظة تحتكر توقيتها، فقد تخلى النظام الرسمي عن الجنوب منذ نشوء الكيان الإسرائيلي وعجز عن حمايته، وسمح بموجب اتفاق القاهرة بوجود مسلح فلسطيني واسع، كما شهدت الحرب الأهلية تشكيلات لبنانية مسلحة ارتبطت بإسرائيل، بينها تشكيلات ضمت ضباطاً وعناصر من الجيش اللبناني واستمرت السلطات في دفع رواتب بعضهم. فمفهوم «خارج الدولة» ليس مفهوماً تاريخياً بريئاً، والأسئلة حول أين كانت الدولة ومن سلّح ومن سمح ومن احتل تمنع اختزال تاريخ السيادة في مشكلة سلاح المقاومة كأنه ظهر بلا سياق.
أما المقارنة بين «إعادة الإدماج» و«الاستئصال التام» فتكشف أن الاختلاف في اللغة والوسيلة لا يلغي التقاطع الاستراتيجي في الغاية، وهي إنهاء المقاومة وإخضاعها للسلطة، سواء عبر قاموس الدولة والقانون أو قاموس المرض والاستئصال. ولهذا لا تحتاج عبارة «السرطان» إلى أن تكون صحيحة كي تثبت جديداً في الموقف الاستراتيجي، إذ كانت اللغة العلنية قد قطعت شوطاً بعيداً في الاتجاه نفسه.
وإذا كان خطاب عون العلني في واشنطن هو موضوع التحليل الأول، فإن مقال “الأخبار” يصبح موضوع التحليل الثاني؛ أي أننا لا نحلل ما يقوله المقال عن عون فقط، بل نحلل ما تفعله رواية المقال بالقارئ. فالمقال يقدّم رواية عن كواليس واشنطن، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في دقة نقله، بل في الوظيفة التي يؤديها في إعادة تشكيل العلاقة بين القارئ والموقف السياسي.
إذا صحّ ما نُسب إلى عون، فهو ينسجم مع المواقف المعلنة؛ وإذا كان غير صحيح، كما أعلنت رئاسة الجمهورية، فإن النتيجة لا تتغير، فالموقف الذي حاولت الرواية نسبته موجود بدرجات مختلفة في خطاباته العلنية. فالمواقف المعلنة تكفي لقراءة التقاطع الاستراتيجي في ملف سلاح المقاومة، من دون حاجة إلى رواية مجهولة المصدر. والمعلومة السرية لا تكتسب قيمتها من سريتها، بل من قابليتها للتحقق والتفنيد.
لا تكمن أهمية المسألة في معرفة ما إذا كان عون استخدم كلمة بعينها أمام ترامب، بل في قراءة اتجاه الحركة السياسية: فالسلطة اللبنانية أظهرت اندفاعة واضحة نحو واشنطن، تراهن على الدعم الأميركي في إدارة الدولة، وتطرح الجيش كالمؤسسة الوطنية الجديرة بالثقة، وتربط إعادة الإعمار بالسلطة وحدها، وتتدخل السفارة الأميركية في القضاء والإدارة والتعيينات، وتُطرح مسألة حصر السلاح في هذا السياق؛ إنها بنية سياسية واضحة لا تحتاج إلى تسريب. وفي السياسة، يمكن استعارة بيت حنون على سبيل المفارقة:
ما زادَ حنونٌ في الإسلامِ خردلةً
ولا كانَ للنصارى شأنٌ بحنونِ
وبالقياس السجالي نفسه: ما زاد عون عند الأميركيين خردلة، وما كان للمقاومة شأن بحنون.
ما جديد المقال الذي لم يظهر في خطابات وتصريحات عون العلنية؟
الجديد الحقيقي في المقال ليس رواية “السرطان” كما يوحي العنوان؛ فهذه الرواية، حتى لو صحّت، لا تضيف إلى الموقف المعلن إلا صياغة أخرى. الجديد هو رواية الرئيس نبيه بري، حيث أفاد الكاتب بأن عون أبلغ ترامب أن بري متوافق معه سراً لكنه يخشى الإعلان بسبب تداعيات الساحة الشيعية.
وهنا يكمن التحول الجوهري. فالمقال يقدّم، في واقع الأمر، معلومتين مختلفتين تماماً في طبيعتهما:
الأولى: معلومة سياسية – عون يريد نزع سلاح حزب الله، وهذه معلومة كانت قابلة للقراءة من خطابه العلني قبل أن تُنسب إليه في السر. وهي، في جوهرها، لا تغير شيئاً في المشهد السياسي.
الثانية: معلومة تفكيكية – بري يوافق سراً على ما يرفضه علناً، وهذا ليس مجرد خبر عن موقف، بل هو إعادة تشكيل لعلاقة الجمهور بموقف قيادته. فالرواية لا تقول فقط إن بري يختلف عن جمهوره، بل تعيد ترميز موقفه كله: بري العلني شيء، وبري السري شيء آخر؛ وما يقوله أمام الناس أقل صدقية مما يُفترض أنه يقوله خلف الأبواب المغلقة.
وهنا ينتقل الخطاب من تحليل السياسة إلى هندسة الشك داخل الجماعة السياسية. أي إن الصراع لم يعد يدور حول الموقف السياسي وحده، بل حول معيار الحقيقة نفسه: هل الحقيقة هي ما يُقال علناً، أم ما يُفترض أنه قيل سراً؟ وهذه هي الوظيفة الأعمق للرواية. فهي لا تحتاج إلى إثبات أن بري غيّر موقفه فعلاً؛ يكفي أن تجعل القارئ يشك في أن الموقف المعلن ليس هو الموقف الحقيقي. وهكذا تعمل الرواية عبر هندسة الشك على إعادة ترميز الولاء: يصبح الموقف العلني موضع ريبة، والموقف السري المفترض معياراً للحقيقة. فالخلاف لم يعد بين السلطة والمقاومة، بل أصبح بين بري العلني وبري السري، وتحوّل الخلاف السياسي إلى اختبار للولاء: من يقول الحقيقة؟ ومن يخفيها؟ ومن يبيع في السر ما يرفضه في العلن؟
إذا كان الكاتب يمتلك تفاصيل دقيقة عن حديث جرى خلف أبواب مغلقة بين ترامب وعون داخل المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، فإن السؤال المعرفي لا يتعلق فقط بمن قال ذلك، بل بقيمة معلومة مجهولة المصدر وغير قابلة للتحقق. والمفارقة تبلغ ذروتها حين تصل الرواية إلى درجة من التفصيل تمكن كاتباً في بيروت من سماع ما دار في غرفة محصنة في واشنطن.
وهنا تتجلى الصورة الكاريكاتورية التي لا يمكن للقارئ إلا أن يتوقف عندها: الأذن اليسرى للكاتب استطالت غرباً، عابرة البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق والمحيط الأطلسي، بسرعة فاقت سرعة هدهد سليمان، حتى بلغت النافذة الشرقية للبيت الأبيض منحنيةً بكروية الأرض. ثم استطالت الأذن اليمنى شرقاً، مجتازة سوريا والعراق وإيران وأفغانستان والصين والمحيط الهادئ، متجاوزة سرعة «الذي عنده علم من الكتاب»، لتقرع النافذة الغربية للمكتب نفسه.
غير أن المشكلة ليست في استطالة الأذن ولا في اختراقها للزمان والمكان، بل في قابلية ما التقطته للتثبت. فالرواية السرية لا تزداد صدقية لمجرد أنها سرية، والمعلومة لا تكتسب قيمة استخبارية لأنها قيلت في صيغة «كواليس». وهنا لا نحتاج إلى افتراض نية الكاتب، فالمنهج السوسيولوجي الأدق هو تحليل الوظيفة قبل ادعاء النية.
والأكثر صرامة سوسيولوجياً هو الحديث عن وظيفة قابلة لإنتاج أثر فتنوي: فحتى مع افتراض حسن النية، فإن إسناد موقف سري إلى بري، مخالف لموقفه المعلن، ينتج أثراً قابلاً للتوظيف في اتجاه محتمل: إضعاف الثقة بالمعلن، وإثارة الشك في القيادة، وإعادة تعريف الولاء داخل المجموعة الشعبية والسياسية نفسها. وهذا ما يجعل الرواية أخطر خطابياً من عبارة «سرطان». فالعبارة المنسوبة إلى عون تتعلق بالمقاومة، وهي مسألة كان الاتجاه العام لموقف السلطة بشأنها قابلاً للقراءة من خطابها العلني. أما الرواية المتعلقة ببري فتستهدف العلاقة داخل الجماعة. الأولى تقول: هذه هي السياسة. والثانية تقول: لا تصدقوا ما يقولونه لكم عن هذه السياسة. وهنا يصبح المقصود ليس تغيير الموقف السياسي فقط، بل تغيير معيار الثقة بمن يتحدث باسم الجماعة.
لا نحتاج إلى الكواليس كي نعرف المعلن، وإذا صحّت رواية سرطان واشنطن فهي لا تضيف جديداً، وإذا لم تصح فهي لا تهدم ما تكشفه المواقف العلنية. لكن رواية بري مختلفة، فهي تنقل الصراع من: بين السلطة والمقاومة إلى داخل الحاضنة الاجتماعية للمقاومة، ومن الموقف السياسي إلى الثقة به، ومن سؤال «ماذا يريد عون؟» إلى سؤال «ماذا يقول بري سراً؟». وهنا يكمن السم في دسم الكواليس.
الخلاصة: ما العمل؟
لا نستعير العنوان من لينين لندعو إلى ثورة شيوعية، بل لتفكيك الرموز وراء رواية الكواليس. فالعبارة الصادمة قد تكون أقل أهمية من الرواية عن بري، لأن الأولى لا تضيف كثيراً للعلن، أما الثانية فتفتح باباً أخطر حول الفجوة بين المعلن والمسكوت عنه. فالرواية لا تحتاج إلى تغيير الحقيقة، بل إلى تغيير علاقة الناس بها، وإلى جعلهم يشكون في صاحب الموقف المعلن. وهذه هي حرب المقلاع المعرفية في أدق أشكالها: حجر صغير في بركة الثقة، والمطلوب دوائر الشك التي تتسع بعده. فالسؤال النهائي ليس: ماذا قال عون لترامب؟ بل: ما الأثر الذي قد تُنتجه رواية الكواليس في علاقة القارئ بموقف بري؟ فلعل السرّ الحقيقي لم يكن في البيت الأبيض، بل في الشك المنتج من وقوع الصحافة بين الكواليس ولغة الجواسيس.
