بقلم: د. عاطف الموسوي
غياب غراهام وإعادة هندسة موازين القوة: من ملعب السياسة اللبنانية إلى بحر التحولات الأمريكية
“بتموز بتغلي المي بالكوز”… مثل شعبي لبناني قديم يختصر قدرة الحرارة في شهر تموزعلى تحويل أناء فخاري مخصص للمياه الباردة إلى مساحة غليان.
وفي تموز 2026، لا يبدو المشهد اللبناني بعيداً عن هذا المعنى الرمزي؛ فالكوز اللبناني يقف وسط حرارة إقليمية ومتغيرات دولية متسارعة، حيث تتصادم رياح التسويات الكبرى مع عواصف الصراعات المفتوحة. ولبنان اليوم أمام لحظة استراتيجية تتجاوز حدود الملفات الأمنية المباشرة، لتلامس جوهر موقعه ودوره في خريطة التحولات بين محطات تمتد من مفاوضات روما إلى زيارة البيت الأبيض والقمة الموعودة مع الرئيس دونالد ترامب، إضافة الى حالة استمرار العدوان على الرغم من كل قرارات وقف اطلاق النار من واشنطن الى اسلام أباد وسويسرا.
ويبدو قصر بعبدا أمام اختبار سياسي دقيق: هل يستمر في الرهان على الاندفاعة الصقورية لوزير الخارجية ماركو روبيو، أم يعيد التموضع باتجاه التيار البراغماتي الواقعي الذي يمثله نائب الرئيس جيه دي فانس؟ فالموضوع لم يعد مجرد خرائط أمنية ومناطق تجريبية في الجنوب اللبناني، بل أصبح جزءاً من صراع أوسع داخل مطبخ القرار الأمريكي نفسه بين مدرستين في إدارة القوة؛ غير أن المفارقة الجوهرية تكمن في أن الخلاف بين روبيو وفانس ليس خلافاً وجودياً كلياً، بل هما يلتقيان عند نقطة ارتكاز استراتيجية واحدة يفرضها التحدي الصيني الداهم في شرق آسيا، والذي لا يترك لواشنطن ترف الدخول في متاهات فوضى جديدة أو استنزاف طويل الأمد في الشرق الأوسط.
إن اندفاعة بعض دوائر القرار اللبناني نحو مقاربة قريبة من رؤية روبيو بُنيت على فرضية مفادها أن هناك تفوقاً عسكرياً إسرائيلياً، يمكن تحويله إلى فرصة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية اللبنانية، وتمرير مفاعيل “اتفاق الإطار” عبر تجزئة الجغرافيا إلى مناطق تجريبية تمتد من فرون والغندورية والزوطرين وصولاً إلى بنت جبيل. لكن هذه القراءة تتجاهل قاعدة أساسية في السياسة الدولية، فالقوة العسكرية لا تنتج بالضرورة استقراراً سياسياً، والتجارب التاريخية تثبت أن الضغط الميداني، عندما لا يرافقه مسار سياسي ميثاقي قابل للحياة، يتحول إلى استنزاف طويل الأمد. وهنا يبرز دور القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” التي تلعب اليوم دور الزيت الهيدروليكي المحرّك للتروس بين روبيو وفانس؛ إذ تولت “سنتكوم” عملياً نقل كواليس المفاوضات من أروقة واشنطن السياسية إلى العاصمة الإيطالية روما. هذا النقل اللوجستي والمكاني يعني تراجعاً ملحوظاً وتقليصاً لدور الخارجية الأمريكية المباشر، دون أن يعني ذلك بالضرورة خطوة صافية لصالح نفوذ فانس السياسي؛ بل هي عملية تكنوقراطية ذكية يتولى فيها الأدميرال براد كوبر أخذ المسميات والخطوط العريضة من “اتفاق الإطار” الذي أشرف عليه روبيو، لينتقل بها إلى حيز التنفيذ العملي والميداني بروحية منهجية فانس البعيدة المدى. فالأدميرال كوبر يتقاطع عقائدياً مع فانس في إدراك أن بقاء الترسانة الأمريكية مستنفرة في وديان الجنوب اللبناني أو الجبهات المجاورة يمثل هدية مجانية لبكين، ولذلك يركز كوبر على تسييل التفاهمات بأقل الأكلاف المادية والعسكرية الممكنة، لتأمين جبهة المتوسط بسرعة والانتقال بالثقل اللوجستي نحو مسرح المواجهة الحقيقي في حوض الهادئ.
ولم تكن ملاحظات وليد جنبلاط من دار الطائفة الدرزية حول أداء بعض دوائر القرار اللبناني مجرد سجال داخلي مرتبط بملف التعيينات، أو انعكاساً لما أوحت به بعض الإشارات المعروفة المصدرعن غضب المختارة، بل جاءت من رادار سياسي يمتلك خبرة تاريخية مريرة في التقاط تحولات السياسة الأمريكية. فجنبلاط، الذي عايش مرحلة المحافظين الجدد خلال عهد جورج بوش الابن، يدرك أن واشنطن لا تُقرأ فقط من خلال الأصوات الأكثر ارتفاعاً، بل من خلال موازين القوى البنيوية داخل المؤسسات ومراكز القرار. إن التناغم العملي والانسجام الفكري بين الأدميرال كوبر ومقاربة فانس التقييدية يعكس حقيقة أن البنتاغون بات يرى في ترتيب الاستقرار الإقليمي كمسار إسلام آباد وسويسرا ضرورة عسكرية ملحة لحماية الأمن القومي الأمريكي من التمدد الصيني الصامت، بدلاً من التورط في مغامرات ميدانية في الشرق الأوسط دون بدائل مادية صلبة. ومن هنا فإن الرهان البعداوي على التفوق العسكري وحده يحول الساحة اللبنانية إلى مساحة اختبار للصراعات؛ حيث أن الخطاب الرسمي اللبناني الذي يتوسل الأمل لغوياً بانتظار انسحاب إسرائيلي قبل 14 تموز ويهدد بمقاطعة روما، يفضح ذروة الرعب الباطن من التعرض لخديعة علنية تسقط شرعيته السياسية داخلياً إذا ما تجاوزته ترتيبات الأدميرال كوبر لحسابات دولية أكبر محورها بكين وليست بيروت.
وفي خضم هذا الاستقطاب، تكتسب المراسلات الأخيرة بين واشنطن ومعراب أهمية بالغة إذ انه في 22 حزيران 2026، وجّه رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع رسالة إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، حدّد فيها رؤيته للدور الأميركي في لبنان. طلب جعجع من فانس ثلاث نقاط أساسية: دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية كمرجعية وطنية وحيدة، وحصر أي تفاوض أو مقاربة للملف اللبناني بالدولة وحدها، وإبعاد إيران نهائياً عن الملف اللبناني. في المقابل، قدّم جعجع نفسه كحليف استراتيجي يمكنه تنفيذ هذه الرؤية في الداخل اللبناني.
جاء رد فانس بعد 48 ساعة فقط، وهو توقيت لفت انتباه المراقبين اذ أكد فانس أن الولايات المتحدة تنظر إلى الرئيس جوزاف عون والحكومة اللبنانية باعتبارهما السلطة الشرعية الوحيدة في لبنان، وتعتزم العمل مع الدولة لحماية سيادتها، لكنه في الوقت نفسه أوضح أن الاتصالات التي تجريها الإدارة الأميركية مع إيران بشأن لبنان لا تهدف إلى إعطاء طهران أي دور في تقرير مستقبل لبنان، بل إلى ضمان قيامها بالضغط على “حزب الله” للالتزام بالتعهدات، بعبارة أخرى، فانس مع الدولة، لكنه يريد إبقاء قنواته مع إيران مفتوحة، ويتحدث عن “الضغط على حزب الله” وليس عن “إنهائه”. هذا الرد لم يمنح جعجع ما يريد: إبعاد إيران نهائياً.
بعد هذا التبادل، وفي 10 تموز 2026، زار جعجع قصر بعبدا والتقى الرئيس عون، وأدلى بتصريح كشف فيه عن خياراته بوضوح. قال جعجع إن “مسار إسلام آباد مرتبط بالمصالح الأميركية والمصالح الإيرانية، وليس له علاقة بالمصالح اللبنانية”، واصفاً إيران بأنها “تحاول الحفاظ على نفوذها في لبنان”، هذه التصريحات تعني أن جعجع يرفض جوهر مشروع فانس القائم على التسويات مع إيران، ويعتبر اتفاق الإطار مجرد حل اضطراري وليس خياراً استراتيجياً.
في الموازاة، كان وزير الخارجية ماركو روبيو يتبنى خطاباً مختلفاً. في 23 حزيران، أكد روبيو أن ملف لبنان منفصل عن مذكرة التفاهم مع إيران، وأن مستقبل لبنان يقرره اللبنانيون أنفسهم. كما دافع عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان معتبرا إياها بأنها رد مبرر على هجمات حزب الله. وفي حفل توقيع “اتفاق الإطار” في 26 حزيران، اعتبر روبيو أن الاتفاق يمثل “خطوة أولى في رحلة نحو السلام والأمن الدائمين”، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن قضية “وكلاء إيران” في المنطقة ستُطرح في الوقت المناسب.
بناءً على هذه التصريحات حصراً، تتضح خيارات جعجع: استراتيجياً، هو مع مشروع روبيو/نتنياهو القائم على مواجهة إيران وحزب الله؛ لأنه يريد إبعاد إيران نهائياً، وحصر السلاح، وإنهاء الوجود العسكري لحزب الله. كم انه من خلال تصريحاته، يدفع الرئيس عون نحو البقاء في زورق روبيو، محاولاً تثبيته في خيار المواجهة بدلاً من الانتقال إلى سفينة فانس.
في المقابل فان رد فانس كشف عن إهتمامه بنجاح مساره الواقعي في تثبيت ركائز الاستقرار دون مغامرات غير محسوبة الأكلاف. ففي الرسالة الجوابية الواضحة والصريحة التي وجهها نائب الرئيس جيه دي فانس إلى سمير جعجع، وضع النقاط على الحروف ونزع فتيل هواجس معراب من أن تؤدي المفاوضات الأمريكية غير المباشرة مع إيران إلى ترتيبات تأتي على حساب السيادة اللبنانية أو تُقايض الحضور المسيحي، فحمل جواب فانس طمأنة استراتيجية حاسمة أكد فيها أن قنوات الاتصال المفتوحة مع طهران لا تستهدف منحها أي نفوذ أو وصاية في تقرير مستقبل لبنان، بل تضغط لضمان كبح جماح التصعيد وإلزام الأطراف بتعهداتها للتفرغ للتحديات الآسيوية الداهمة. والأهم من ذلك، أن فانس ثبّت في جوابه لمعراب رؤية إدارته بوضوح، معتبراً أن واشنطن لا ترى شريكاً شرعياً في البلاد سوى مؤسسات الدولة اللبنانية والجيش اللبناني بقيادة العماد رودولف هيكل، وأن الدعم الأمريكي مكرّس لتمكين الدولة من بسط سيادتها وحماية استقرارها الميثاقي وتوازناتها الداخلية، دون المغامرة بالمكونات الأساسية وفي طليعتها المسيحيون كأوراق تكتيكية مستهلكة في صفقات إقليمية.
ومع وصول مباريات كأس العالم في الولايات المتحدة لعام 2026 إلى مراحلها الحاسمة، تبدو استعارة كرة القدم مناسبة لقراءة المشهد اللبناني؛ فالمباريات الكبرى لا تُحسم فقط بقوة المهاجمين، بل بحسن توزيع الأدوار والتموضع داخل الملعب. في هذا التصور، يظهر ابن اللبون من عين التينة في موقع موزّع الكرة في وسط الملعب، يدير الإيقاع ويعرف متى يمرر ومتى يهدئ اللعب محتمياً ببراغماتيته المعهودة تحت مظلة فانس التقنية وتنفيذ “سنتكوم” المرن. وتقف المختارة في الجناح الأيسر كلاعب يمتلك خبرة قراءة المساحات وتبدل اتجاهات المباراة، فيما تمثل اليرزة الجناح الأيمن الذي يحافظ على تماسك الخطوط العسكرية ومنع اختلال التوازن الداخلي وحماية السلم الأهلي. أما بعبدا، فإن موقعها الطبيعي يشبه موقع حارس المرمى؛ اللاعب الأخير قبل سقوط الهدف. فالحارس لا يشارك في كل هجمة، بل يراقب الملعب بأكمله ويتدخل في اللحظة الحاسمة لحماية الشباك السيادية والميثاقية للوطن؛ لكن الخطر يبدأ عندما يترك الحارس موقعه ويركض في اتجاه معاكس لمسار الكرة اندفاعاً وراء أوهام الاستقواء بالخارج لتعويض العزلة الداخلية، تاركاً المساحات مفتوحة أمام هجمات الخصم.
كما أن نبأ وفاة السناتور ليندسي غراهام إثر وعكة صحية مفاجئة، ليضيف متغيراً مؤثراً جديداً إلى هذه المعادلة الجيوسياسية. فغيابه يمثل فقدان أحد أبرز ممثلي المدرسة التدخلية التقليدية داخل الحزب الجمهوري، وهي المدرسة التي تتقاطع في بعض ملفاتها مع مقاربة روبيو. هذا الغياب المفاجئ يفتح الباب أمام إعادة هندسة النفوذ التشريعي في واشنطن عبر مسارين؛ أولهما آلية الخلافة وبراغماتية حاكم ولاية كارولاينا الجنوبية الجمهوري هنري ماكماستر الذي تعود إليه سلطة التعيين الفوري المؤقت بموجب التعديل السابع عشر للدستور. وبما أن ماكماستر جمهوري مؤسساتي أعاد تموضعه مبكراً ليكون في طليعة معسكر ترامب-فانس ومتبنياً لعقيدتهما الاقتصادية الحمائية مثل قانون الصُلب المصنوع في أمريكا، فإن خياره البديل لن يكون نسخة كربونية من صقورية غراهام، بل سيميل لتعيين وجه يركز على الأجندة الداخلية وتأمين الحدود، مما يعزز قبضة سفينة فانس على مفاصل مجلس الشيوخ. والمسار الثاني يرتبط باستحقاق نوفمبر 2026، حيث يفرض غياب غراهام قبل الانتخابات العامة بأشهر قليلة على اللجنة التنفيذية للحزب تسمية مرشح بديل يحل مكانه على بطاقات الاقتراع، مما يسرّع عملية التصفية التلقائية لآخر جيوب المقاومة الكلاسيكية ضد عقيدة “أمريكا أولاً” لمصلحة صعود تيار نائب الرئيس البراغماتي.
لقد كان ليندسي غراهام يمثل إحدى أهم حلقات الاتصال بين الرؤية الأمنية الإسرائيلية ودوائر القرار الجمهوري في واشنطن، ولهذا فإن غيابه يضعف البيئة السياسية التي كانت تمنح زخماً لمسار الضغط الأقصى المفتوح دون سقف، ويعيد طرح السؤال حول قدرة النهج الصدامي لليكود على الاستمرار بنفس القوة دون مراعاة الأولويات الأمريكية العليا. والمسارعة الاستثنائية لنتنياهو لتقديم العزاء بوصفه غراهام كـ”صديق عظيم فَقَدته إسرائيل” تفضح حالة من اليتم الجيوسياسي؛ حيث تجد نفسها اليوم مجبرة على التكيف مع واقعية جديدة تنفذها “سنتكوم”، إذ إن الأدميرال كوبر منسجم مع فانس في قناعة حتمية: لا تراجع عن “اتفاق الإطار” لروبيو ولكن بتنفيذ بارد، سريع، ومحسوب يطوي ملف الشرق الأوسط بأقل الأكلاف السياسية، ليبقى التركيز والجهد الدفاعي الأمريكي منصباً بالكامل على حوض الهادئ لمواجهة التنين الصيني.
وفي ضوء هذه التحولات، تصبح معضلة بعبدا أكثر وضوحاً؛ فالمسألة ليست اختيار طرف أمريكي ضد آخر، بل القدرة على قراءة اتجاه الريح الحقيقي داخل منظومة القرار المشتركة في واشنطن. فإذا كان التيار الصاعد هو تيار التسويات والواقعية التقييدية الذي يقوده فانس عبر تمديد مهلة الـ 60 يوماً المرتقبة في سويسرا، وبناءً على ما تضمنته رسالته التطمينية الصريحة من التزام بسيادة الدولة ومؤسساتها الرسمية، فإن الاستمرار في الرهان على قراءة قاصرة لاندفاعة روبيو قد يضع لبنان أمام خطر البقاء في منطقة رمادية قاتلة. فالأدوات التنفيذية للأدميرال كوبر في روما تمضي قدماً بنقل بنود الاتفاق إلى حيز التطبيق العملي بأقل الأكلاف وبمنهجية وقائية بعيدة المدى، لأن التحدي الصيني لا ينتظر أحداً في واشنطن، ولا يترك مجالاً لترف الغرق في تفاصيل الفوضى اللبنانية أو الإقليمية. ومن هنا تصبح سفينة فانس في منطق هذا التحليل هي الحقيقة البنيوية التي تتحرك بقناعة الأدميرال كوبر، لتفكيك بؤر التوتر وابعاد شبح إنهيار المؤسسات اللبنانية، والتمسك بالشرعية الدستورية لتأمين الاستقرار العام وتفادي الهجمات المرتدة جراء سوء التموضع في اللحظة الحاسمة.



