بري.. وابن اللبون … وقابلية التكذيب / بقلم د. عاطف الموسوي

“هندسة الخطاب الصراعي” من العتبة اللغوية إلى بنيوية الاجتماع السياسي
حين أطلق الرئيس نبيه بري تحذيره المدوّي: يا أهلي في لبنان كل لبنان، إنها الفتنة! كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرًا فيُركب ولا ضرعًا فيُحلب، قفز إلى الذهن، في ومضة خاطفة، بيت المتنبي الذي يصف فعل الدهربقوله: وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مَالِئُ الدُّنْيَا وَشَاغِلُ النَّـاسِ / يَبِيتُ بِأَحْوَالٍ وَيُصْبِـحُ نَاعِسَـا.
فما الذي جمع، في لحظة واحدة، بين تحذير سياسي راهن يستند إلى نصيحة عابرة للزمان والمكان، وبيت شعر يختار من يتنزل عليه ويدور معه حيثما دار؟
إن الرئيس بري، في تلك اللحظة، لم يكن يلقي قولاً فحسب، بل كان يمارس فعل الدهر نفسه: يملأ الدنيا بوقع الحدث، ويشغل الناس بجلال الخطر، ثم ينسحب في الحال إلى صمت “ابن اللبون”، كأنه الدهر “يبيت بأحوال ويصبح ناعساً”.
وبدافع الفضول العلمي، أعددنا في 27 حزيران 2026 مقالاً تحت عنوانتحصيناً للنصر: بري.. ابن اللبون… والفتنة، اختزن في داخله مجموعة من الفرضيات القابلة للاختبار، لا بهدف إثبات صحتها بصورة نهائية، وإنما لإخضاعها لمنطق البحث العلمي القائم على محاولة دحضها أو الكشف عن حدود صلاحيتها. وقد صيغت تلك الفرضيات وفق مبدأ القابلية للتكذيب (Falsifiability) عند كارل بوبر، بحيث يصبح معيار قوتها ليس في توافقها مع بعض الشواهد فقط، بل في قدرتها على الصمود أمام الوقائع التي يُمكن أن تنقضها، وذلك من خلال مقارنتها بالتصريحات والسلوك السياسي للرئيس بري بعد تاريخ نشر المقال، ابتداءً من 28 حزيران 2026 وما بعده.
الفرضيات المركزية في المقال
إنطلقت الفرضيات المركزية في المقال من العنوان”:تحصيناً للنصر: بري.. ابن اللبون.. والفتنة”.
وإذا نظرنا إليه بعين سيبويه، نجد أنه يبدأ بـ مفعول لأجله منصوب (تحصيناً) يُعلل فعلاً محذوفاً، وهذا التقديم النحوي يُثبت أن التحصين ليس تابعاً للنصر، بل هو الغاية المقدَّمة عليه، فينقلب المفهوم التقليدي: النصر ليس غاية، بل موضوع للحماية، لأنه نصر منجز وليس في طور الإنجاز.ثم تستأنف الجملة الاسمية (بري… ابن اللبون… والفتنة) بخبر محذوف، فتصبح كالمعادلة التي تضع الفاعل (بري)، والنموذج (ابن اللبون)، والتهديد (الفتنة) في مستوى واحد، وكأنها أضلاع مثلث لا يقوم إلا باجتماعها.
وإذا أضفنا إلى هذا البناء النحوي رؤية ابن جني الصوتية – النفسية، نجد أن تحصيناً بثقل حروفها (حاء حلقي، صاد مطبقة، نون رنانة) تُولّد إحساساً بالصلابة والمنعة، بينما الفتنة بخفتها (فاء وتاء مهموستان) تُشعِر بالخطر المتسلل السريع، وكأن العنوان يصنع معركة صوتية بين الحصن واللهب. أما ابن اللبون، فحروفه الرقيقة (لام، باء، واو، نون) تُعطي إيقاعاً صامتاً يُمثل استراتيجية الامتناع الإيجابي التي لا تعتمد على الجلبة، بل على الصمود الحكيم الذي يتربص بالفتنة كما يتربص الدهر بأحواله.
أما بعين الجاحظ، وبالاستناد إلى تصوره للعلاقة بين اللفظ والمعنى وحال المخاطب، فإن العنوان لا يعمل بوصفه تركيباً لغوياً فقط، بل بوصفه بنية تواصلية تستثير العقل والعاطفة معاً. فـ تحصيناً ليست مجرد تعليل نحوي، بل هي استعارة عسكرية دفاعية تُشعِر المتلقي بأننا في حالة حرب باردة إدراكية، وأن ما يُبنى ليس مجرد موقف، بل معقل استراتيجي يحمي منجزاً قائماً ومهدداً. وهذا يضاعف الإحساس بأن النصر ليس إنجازاً في الماضي، بل ممتلكات راهنة تحتاج إلى حراسة دائمة. أما ابن اللبون فهو اختيار مفارق للعادة؛ فبدلاً من الأسد والثعلب، جاء رمز الضعف الظاهري الذي يخفي قوة الامتناع. فالناقة إذا امتنعت عن الحلب أو الركوب صارت أقوى من أي مفترس، وهذه صورة الجَلَد الصامت التي تليق بحال الفتنة، حيث مقتضى الحال ليس الزئير بل الصمت الحازم.
والفتنة ليست مجرد خلاف سياسي، بل داء اجتماعي يتفشى في النفوس قبل أن يظهر في الشوارع. وعطفها على بري يُسقطها من مستوى الطارئ إلى مستوى العدو الوجودي، وتقديم بري عليها يُشكّل طوقاً تحذيرياً يوحي بأن الحلّ سبق الداء، فيُطمئن الجمهور ويُضعف التهديد.
أما استحضار المتنبي فليس استشهاداً، بل تطابق درامي بين القيادة الاستراتيجية وفعل الدهر؛ يضرب ثم ينسحب ليراقب، وهذه المفارقة بين الملء والفراغ هي جوهر البيان الذي لا يُفهم إلا بصمته المحيط.
وهكذا، يلتقي البناء النحوي عند سيبويه مع البناء الصوتي عند ابن جني والبناء الاجتماعي – الإدراكي عند الجاحظ، ويندمجوا مع الحقيقة السياسية التي يقررها المقال: النصر منجز (مسار إسلام أباد)، والفتنة هي التهديد (اتفاق واشنطن)، والتحصين هو الغاية، وبري هو الفاعل الذي يتبنى نموذج ابن اللبون لقنص الفتنة. فينتج عنواناً لا يُقرأ فقط، بل يُسمع ويُحس كوحدة عضوية متكاملة، تجتمع أضلاعه في إيقاع نحوي – صوتي – بلاغي يحاكي فعل الدهر نفسه: يملأ الدنيا بالحدث، ثم ينسحب إلى صمت الحكمة.
الفرضيات المركزية للبحث
الفرضية الأولى: ينطلق الرئيس بري من يقين مطلق بأن “تحصين النصر” هو الغاية الأولى والأسمى، وأن التهديد الأساسي لهذا النصر هو “اتفاق واشنطن الإطاري” الذي يُعتبر فتنة داخلية. ولذلك، سيتجه خطابه نحو كشف حقيقة هذا الاتفاق بوصفه مؤامرة لتفريغ النصر، مع الحفاظ على التماسك الوطني ومنع الانزلاق إلى الصراع الداخلي.
الفرضية الثانية: يؤمن الرئيس بري بأن “النصر الحقيقي” قد تحقق في “مسار إسلام آباد (سويسرا)”، حيث تم توحيد الساحات وإجبار الولايات المتحدة على الرضوخ والتسريع في التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار إلكترونياً، وأن “اتفاق الإطار في واشنطن” هو محاولة لفصل لبنان عن هذا النصر ومنح إسرائيل امتيازات. ولذلك، سيركز خطابه على تثبيت شرعية مسار سويسرا، ووصف مسار واشنطن بأنه إملاءات خارجية لا يمكن أن تعيش.
الفرضية الثالثة: يتبنى الرئيس بري، بصفته فاعلاً سياسياً، نموذج “ابن اللبون” في استراتيجيته للتمركز الحكيم في زمن الفتنة (لا يُركب ولا يُحلب)، ويمسك “المقلاع” السياسي المستمد من قوة مسار إسلام آباد لـ “قنص أي فتنة قد تهدد الكيان”، مع تطبيق استراتيجية كظم الغيظ والبصيرة الاستباقية.
اختبار الفرضيات المركزية برصد الواقع المحسوس

  • الفرضية المركزية الأولى: أولوية “تحصين النصر” ومواجهة “اتفاق واشنطن” كفتنة
    محدد التكذيب النظري: تسقط الفرضية وتُعتبر مكذوبة إذا دعا بري إلى تصفية الحسابات في الشارع، أو اعتمد خطاباً صدامياً داخلياً فوضوياً، أو قلل من خطورة الاتفاق واعتبره مجرد تباين عادي في وجهات النظر.
    الوقائع والتوثيق المرجعي الفعلي:
    • 28 حزيران 2026 – جاء في تصريحه لوكالة الأنباء المركزية اللبنانية ووكالة أسوشيتد برس (AP): ” نؤكد وجوب تجنب الفتنة في لبنان، والحرص على بذل كل جهد من أجل صون وحفظ الاستقرار والسلم الأهلي”. وفي اليوم ذاته، خلال اتصاله الهاتفي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وصف خطورة الاتفاق الإطاري مستخدماً استعارة حاسمة: ” “إن ما أقدمت عليه السلطة في الاتفاق الإطاري هو الفتنة، والفتنة أشد من القتل”.
    • 29 حزيران 2026 – في بيانه الرسمي المنشور عبر الوكالة الوطنية للإعلام (NNA)، شدد على أن: “مواجهة الاتفاق يجب أن تبقى ضمن الأطر الدستورية والسياسية والوطنية… وأدعو إلى عدم الانجرار إلى أي تحركات في الشارع أو ردود فعل قد تُستغل لإدخال البلاد في دوامة من الفوضى والاقتتال الداخلي”.
    • 30 حزيران 2026 – تُرجمت أولويات تحصين النصر بتطويق مفاعيل الفتنة عبر بيان عين التينة المشترك إثر لقاء النائب جبران باسيل (صحيفة الأخبار)، حيث جرى التشديد على: “ا لتعاون لكل ما فيه حماية لبنان والمؤسسة العسكرية ورفض الفتنة التي تطل برأسها كل فترة، والوقوف ضد أي شيء يخلق الفتنة ويهدد وجود لبنان وسيادته واستقلاله”.
    • 6 تموز 2026 – وجّه رسالة تحصين مباشرة للجبهة الداخلية والبلدات الحدودية لمنع تغلغل الفتنة الإسرائيلية (وكالة الأناضول وجريدة الأخبار): ” إن مواقف أبناء وفعاليات تلك القرى، وصمودهم فيها، وتمسكهم بأرضهم وهويتهم، تعكس أصالة انتمائهم الوطني الأصيل، التي لن يساوموا عليها تحت أي ظرف من الظروف… وننبّه من محاولات العدو الإيقاع بين أبناء المناطق الحدودية”.
    درجة الاتساق مع الفرضية: مرتفعة. الخطاب الفعلي يطابق الفرضية وظيفياً وبنيوياً؛ حيث نقل المواجهة من فخ الشارع (مكمن الفتنة) إلى حصن المؤسسات والدستور، مع حماية الجبهة الحدودية من الاختراق الرمزي. النتيجة: لم تنجح محاولات التكذيب المتاحة حتى الآن ضمن المادة الصحفية المرصودة في إسقاط الفرضية.
    -الفرضية المركزية الثانية: شرعية مسار “إسلام آباد/سويسرا” في مواجهة إملاءات تل أبيب – واشنطن
    محدد التكذيب النظري: تتكذب الفرضية إذا تعامل بري مع “اتفاق واشنطن” كمسار قابل للحياة والتطبيق، أو وافق على سلخ ملف لبنان عن الموازين والتسويات الدولية والإقليمية الشاملة (مسار سويسرا المنبثق عن ديناميكية إسلام آباد).
    الوقائع والتوثيق المرجعي الفعلي:
    • 28 حزيران 2026- نقلت جريدة النهار وموقع المدن الإلكتروني عن بري قوله: “الاتفاق هو ضد نفسه ولا يمكن أن يُطبق… النتيجة لاتفاق واشنطن نفس اتفاق 17 أيار وهي أنه لا يمكن للبنان أن يتعايش مع مثل هذا الاتفاق”. وثبّت المرجعية العربية والإقليمية بقوله للمدن: “لبنان لا يزال يلتزم مقررات الجامعة العربية، ولا يمكنه أن يذهب إلى أي اتفاق من هذا النوع قبل الدول العربية الأخرى… وهناك اتفاق قائم هو اتفاق 27 تشرين الثاني من العام 2024 ولا يمكن الخروج منه ولا تجاوزه”.
    • 29 حزيران 2026 – وفقاً للنشرة المسائية لتلفزيون NBN وتقرير صحيفة الأخبار، صرّح بري بوضوح: “هناك اتفاق إيراني أميركي واضح ويذكر لبنان بالاسم ثلاث مرات ويمكن الارتكاز إليه… أما اتفاق واشنطن فهو مجرد إملاءات وهو أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار… ولن ينفّذ، هيك منّو لحالو لن ينفّذ”. وأضاف “إن أي محاولة لفصل الملف اللبناني عن المسار الأميركي – الإيراني، أو الذهاب إلى تفاوض منفرد مع إسرائيل، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الاحتلال”.
    • مواقف 1، 2، و3 تموز 2026 – أعاد بري تثبيت خطوط التنسيق الإقليمي لقطع الطريق على تفرد واشنطن إبان استقباله وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (صحيفة اللواء ونشرة NNA، مؤكداً في أن: “سوريا كانت وتبقى دائماً هي العمق الطبيعي للبنان”.
    درجة الاتساق مع الفرضية: مرتفعة. التناظر هنا بنيوي ومفاهيمي؛ فالرئيس بري أسقط الاتفاق إمبيريقياً لوقوعه خارج موازين القوى الدولية والإقليمية المنبثقة من مسار التسوية الكبرى، ورفض بشكل قاطع مبدأ “التفاوض المنفرد”. النتيجة: لم تنجح محاولات التكذيب المتاحة ضمن المادة الصحفية المرصودة في إسقاط الفرضية.
  • الفرضية المركزية الثالثة: تبني ديناميكية “ابن اللبون” وكبح الاستدراج للصدام
    محدد التكذيب النظري: تتكذب الفرضية إذا سمح بري بتوظيف موقعه السياسي لتغطية الصدام الداخلي والوقيعة العسكرية (رُكب)، أو قدم تنازلات تؤدي إلى استنزاف القوة السياسية والعسكرية للمنتصر (حُلب)، أو تخلّى عن كظم الغيظ الاستراتيجي.
    الواقع والتوثيق المرجعي الفعلي:
    • 29 حزيران 2026 – حسم بري مسألة حماية المؤسسة العسكرية كصمام أمان لمنع ركوب الفتنة، مستخدماً في بيانه المنشور بمستقبل ويب عبارات جازمة: “لا يمزحنّ أحد هذه المزحة، ولا يلعبنّ أحد بالجيش… والمؤسسة العسكرية خط أحمر”.
    • 30 حزيران 2026 – في تعبير بليغ يجسد الاستعلاء على الاستدراج والتعامل مع مفاعيل الاتفاق ببرود تام (كظم الغيظ الاستراتيجي)، علّق بري بعبارته الحرفية المقتضبة التي نقلتها مقدمة الأخبار الرئيسية لقناة المنار: “كأنّ شيئاً لم يكن”.
    • 2 تموز 2026 – نشرت صحيفة الديار تفصيلاً لموقفه جاء فيه تأكيده الصريح لكبح الوقيعة بين أجهزة الدولة والمقاومة: “إن إسرائيل تحاول من خلال ممارسة الضغط جرّ الجيش اللبناني نحو المواجهة مع قوات المقاومة… هذا لن يحدث أبداً لأن اللبنانيين يدركون مخاطر الفتنة”.
    • 4 تموز 2026 – نقل زواره عنه (صحيفة الأخبار وموقع صيدانيوز) ارتياحه لطي صفحة الحرب بما يحفظ أمن المقاومة، معلقاً على تحول المرحلة بمرونة “ابن اللبون”: “لكل مرحلة رجالاتها”.
    • 5 تموز 2026 – كبحاً للمخططات الإسرائيلية، جاء جزمه القاطع المنقول في تقرير لصحيفة الديار يفيد بأن محاولات دفع الجيش للاشتباك مع حزب الله: “لن تحصل”.
    • 6 تموز 2026 – مارس بري “قنص الفتنة” سياسياً عبر مطالبة أجهزة الدولة بتحمل مسؤولياتها إزاء العدوان الفيزيائي صحيفة المدن الالكترونية: “إن عملية التدمير الممنهج الجارية لم يعد جائزاً أن يُواجَه بصمت، وعلى الدولة وقف التدمير الممنهج ونسف القرى الحدودية”.
    درجة الاتساق مع الفرضية: مرتفعة. تم إحباط مخطط الفتنة سلوكياً وعملياً بين الجيش والمقاومة. تبلورت ديناميكية “ابن اللبون” حرفياً في الواقع: رفضٌ مطلق لتقديم تنازلات تُضعف المنتصر (لا يُحلب)، ومنعٌ حاسم لأي طرف من استغلال الساحة لصدام أمني (لا يُركب). النتيجة: لم تنجح محاولات التكذيب المتاحة ضمن المادة الاعلامية المرصودة في إسقاط الفرضية.
    ثانياً: حدود الاختبار
    ينبغي التنبيه إلى أن هذا الاختبار لا يمثل حكماً نهائياً على صحة النموذج، بل يمثل مرحلة أولى من مراحل التحقق النقدي. فالخطاب السياسي ظاهرة ديناميكية تتغير بتغير البيئة الداخلية والإقليمية والدولية، ولذلك فإن استمرار صلاحية الفرضيات يتطلب إخضاعها لمراقبة زمنية لاحقة، وإدخال حالات قد تعمل بوصفها اختبارات مضادة. كما أن المادة الإمبيريقية المتاحة (وهي تصريحات الرئيس بري في الفترة من 28 حزيران إلى 6 تموز 2026) لا تمثل سوى نافذة زمنية محدودة، مما يستدعي توخي الحذر في تعميم النتائج على فترات زمنية أوسع أو على فاعلين سياسيين آخرين.
    ثالثاً: النتيجة النهائية المدمجة للاختبار الإمبيريقي
    إثر إخضاع الفرضيات المركزية الثلاث للمراجعة في ضوء المادة الإعلامية المتاحة بعد تاريخ نشر المقال، لم تظهر مؤشرات كافية على تكذيب أي منها ضمن الحدود الزمنية والمصادر المعتمدة في هذا الاختبار. بل أظهرت الوقائع المرصودة درجة مرتفعة من الاتساق بين البنية النظرية المفترضة والمسار الخطابي والسياسي المعلن للرئيس بري في هذه المرحلة المحددة.
    ولا يعني ذلك إثبات الفرضيات بصورة نهائية، إذ إن المنهج البوبري لا يقوم على التحقق النهائي، وإنما على قابلية الفرضية للاستمرار ما دامت لم تواجه واقعة قاطعة تنقضها. وعليه، يبقى النموذج مفتوحاً لاختبارات لاحقة قد تعزز صلاحيته أو تكشف حدودها. تشير هذه النتائج الأولية إلى امتلاك النموذج قدرة تفسيرية واعدة، وإلى إمكانية استخدامه كأداة تحليلية في قراءة الخطابات السياسية خلال الأزمات غير المتناظرة، مع ضرورة استمرار اختباره على حالات زمنية وميدانية أخرى.
    _ بيروت في 9-7-2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *