تحصيناً للنصر … بقلم د. عاطف الموسوي

  • النصرُ لحظةُ انكشاف.
    لا انكشافَ العدوِّ المأزومِ المهزومِ فحسب،
    بل انكشافُ النفسِ المستبصرةِ المنتصرة.
    هناك، في تلك اللحظة الحرجة، يُختبر جوهرُ الرجال.
    لا في الحرب، بل بعدها.
    لا في البأس، بل في الحكمة.
    وهنا يتجلّى المنهجُ القرآنيُّ في فهم النصر:
    النصرُ فتحٌ من الله،
    يُمنح ليُبتلى الشاكرُ والكافر،
    لا ليُتوَّج البطل.
    غير أن للنفس المنتصرة غوايتَها:
    أن تنتقم.
    أن تُذيق الخصمَ مرارةَ ما أذاقها.
    أن تُسكِت الأصواتَ التي راهنت على هزيمتها.
    وهذا غضبٌ مشروعٌ في منبعه،
    مفهومٌ في سياقه،
    لكنه فخٌّ في مآله.
    فالعدوُّ الخارجيُّ الذي خسر الحرب لا يحلم اليوم إلا بشيءٍ واحد:
  • أن ننقضَّ على بعضنا البعض.
  • أن تُفرَّغ طاقةُ النصر في دهاليز الفتنة.
  • أن يتحول المنتصرُ إلى قاضٍ وجلاد،
    فيخسر في السلام ما أحرزه في الحرب.
    والحكمةُ كلُّ الحكمة في وصف قرآني واحد:
    ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾
    كظمُ الغيظ ليس ضعفاً.
    إنه قوةٌ من نوعٍ آخر.
    قوةُ من يمتلك زمامَ نفسه لحظةَ امتلاكه زمامَ الميدان.
    قوةُ من يقول لمن راهنوا على هزيمته:
    أخطأتم، ولكن الوطن يتسع.
    خسرتم رهانكم، ولكن البلد باقٍ.
    طعنتم في الظهر، ولكننا لا نُدير ظهورنا للوطن.
    هذا هو النصرُ الثاني.
    النصرُ الذي لا يُرى، فيُهدم من حيث لا يُدرى.
    النصرُ الذي يُحصَّن به النصرُ الأول، فلا تتسرب منه إلى الفتنة منافذُ الهزيمة.
    إن أولئك الذين تمنوا هزيمتنا يعرفون اليوم أن رهاناتهم بادت.
    فلا تمنحوهم شرف المواجهة.
    ولا تهدوا العدوَّ فرحتَه بتفريقنا.
    فالحرب لم تنتج نصراً بالقوة وحدها،
    بل بأخلاقٍ حفظت للقوة معناها.
    فإذا انقلبنا بعد النصر إلى الانتقام،
    هدمنا بأيدينا الأساسَ الذي قام عليه النصر.
    تحصيناً لهذا النصر…
    فلنكظم غيظَنا.
    ولنتجاوز غضبَنا.
    ولنغلق أبوابَ الفتنة.
    لا ضعفاً، بل حكمة.
    لا خوفاً، بل ثقة.
    لا حبّاً فيمن طعن،
    بل حفاظاً على تضحياتِ من هُجِّروا،
    وعذاباتِ من جُرحوا،
    ودماءِ من استُشهدوا.
    فهذا هو البلاغ:
    النصرُ الحقيقيُّ ليس في أن تنتقم ممن شكَّ فيك،
    بل في أن تثبت أنك كنت على حق…
    حتى بعد أن مُنَّ عليك بنصرٍ من الله.
    فالنصرُ لحظةُ انكشاف،
    وأعظمُ ما ينكشف فيها ليس ضعفَ العدو،
    بل معدنُ المنتصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *