سياسة ترامب الخارجية: القوة في وجه الصين وروسيا وإيران!

كتب روبرت أوبراين الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي الأميركي خلال حقبة الرئيس السابق دونالد ترامب، مقالاً نشر بمجلة “فويرن أفيرز” قال فيها إن ترامب لم يطمح يومًا لتعميم عقيدة شخصية لمصلحة مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، مضيفًا أن الرئيس الأميركي السابق لا يلتزم بعقيدة، وإنما بغرائزه.

وتابع الكاتب الأميركي أنَّ سياسة ترامب الخارجية والتجارية يمكن فهمهما بشكل صحيح على أنها رد فعل على نقاط الخلل في السياسة الدولية النيو ليبرالية أو العولمة التي اتبعت منذ أوائل حقبة التسعينيات وصولًا إلى عام 2017.

وأشار إلى أنَّ ترامب وعلى غرار العديد من الأميركيين كان يدرك أن التجارة الحرة هي عمليًا ليست كذلك وأن الحكومات الأجنبية قامت في العديد من المرات بفرض رسوم جمركية عالية ووضع عقبات في التبادل التجاري وسرقة الملكية الفكرية من أجل الإضرار بالمصالح الأميركية الاقتصادية والأمنية.

ولفت الكاتب الى أنَّ ترامب هو من أنصار الرئيس الأسبق أندرو جاكسون ومقاربة الأخير حيال السياسة الخارجية تقوم على القوّة عند الاضطرار إلى التحرك، لكن دون أن يفوق هذا التحرك القدرات، مؤكدًا بأن ولاية ثانية لترامب ستشهد عودة “الواقعية” بنكهة مقاربة جاكسون.

هذا، وتحدث الكاتب عن محور ناشئ من “الأنظمة الاستبدادية” يتكون من الصين وروسيا وإيران، مضيفًا بان طهران وكما بكين وموسكو ازدادت جرأة.

أما عن الصين، قال الكاتب إن الحزب الشيوعي الصيني يسعى إلى نشر قوته وبسط أمنه من خلال أخذ مكان الولايات المتحدة كرائد عالمي في مجال التطور التكنولوجي والابتكار في مجالات أساسية مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي وغيرها.
وأضاف، بينما تسعى الصين إلى تقويض قوة أميركا الاقتصادية والعسكرية، على واشنطن أن ترد الجميل كما فعلت خلال الحرب الباردة عندما عملت على إضعاف اقتصاد الاتحاد السوفييتي، مطالبًا واشنطن بفصل اقتصادها عن الاقتصاد الصيني.

وأوضح الكتاب أنَّ ترامب بدأ بانتهاج مثل هذه السياسة من خلال فرض رسوم جمركية عالية على نحو نصف الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أنَّ الوقت قد حان للذهاب أبعد من ذلك بفرض رسوم جمركية بنسبة 60 في المئة كما يقول ترامب.

وفي نفس الوقت، تحدث الكاتب عن ضرورة أن تبقي واشنطن قنوات التواصل مفتوحة مع بكين، لكنّه شدد على ضرورة أن تركز مساعيها الدبلوماسية في المحيط الهادئ على دول حليفة مثل أستراليا واليابان والفيليبين وكوريا الجنوبية، وشركاء تقليديين مثل سنغافورة، وشركاء ناشئة مثل أندونيسيا وفيتنام.

هذا، ورأى الكاتب ضرورة إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع هذه الدول، مشيرًا إلى أنَّ ترامب لم يدعُ الصين إلى مناورات حوض المحيط الهادئ عام 2018.

كذلك لفت الكاتب إلى أنَّ تايوان تنفق نحو 19 مليار دولار سنويًا على الاغراض “الدفاعية”، والذي يساوي أقل بقليل من 3% من ناتجها الاقتصادي السنوي، وقال إنَّه وبينما يعد ذلك أفضل من نسبة إنفاق أغلب حلفاء وشركاء أميركا، إلا أنه يبقى قليلاً، كما تحدث عن ضرورة أن تنفق دول أخرى في هذه المنطقة المزيد، مضيفًا أنَّ على الإدارة المقبلة أن ترسل رسالة واضحة مفادها أنَّ الالتزام الأميركي المتواصل يجب أن تترافق معه زيادة إنفاق تايوان على الأغراض الدفاعية، فضلًا عن خطوات أخرى مثل زيادة التجنيد الإجباري.

وتحدث الكاتب أيضًا عن ضرورة أن يساهم الكونغرس في بناء القوات المسلحة لدى كلّ من أندونيسيا والفليبين وفيتنام، وذلك من خلال تقديم المنح والقروض والسلاح الذي تقوده الولايات المتحدة لـ “إسرائيل”.

كما تحدث عن ضرورة أن تقوم البحرية بنقل إحدى حاملات الطائرات لديها من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، وعن ضرورة أن ينظر البنتاغون في مسألة إرسال جميع الوحدات في قوات المارينز إلى المحيط الهادئ، بحيث تعفى من مهام في أماكن مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كذلك، تطرّق الكاتب إلى العودة لسياسة الضغوط القصوى على إيران، وقال إن ذلك سيشمل التطبيق الكامل للعقوبات على قطاع الطاقة لدى إيران، بحيث تطال العقوبات ليس إيران فحسب بل أيضًا الحكومات والمنظمات التي تشتري النفط والغاز الإيراني، ولفت الى أنَّ الضغوط القصوى ستعني أيضًا إرسال المزيد من القطع البحرية والجوية إلى الشرق الأوسط، بحيث توجه رسالة واضحة إلى طهران وإلى حلفاء أميركا على حد سواء بأن تركيز الجيش الأميركي في المنطقة هو على ردع إيران والذهاب أبعد من المقاربة التي تقوم على فكرة مكافحة التمرد خلال العقدين المنصرمين.

واعتبر الكاتب أن سياسة أقوى لمواجهة إيران ستؤدي إلى مقاربة أكثر إنتاجية لـ”النزاع الإسرائيلي الفلسطيني”، وأن هذا النزاع هو من نتائج الاضطراب في المنطقة وليس من أسبابه، وأردف أنَّه لا يمكن تسوية القضية الفلسطينية قبل أن يجري احتواء إيران وتتوقف المقاومة الفلسطينية عن مساعيها لتحرير الأراضي الفلسطينية المُحتلة ما يعني زوال الكيان الصهيوني.

وتابع الكاتب أنَّ على الولايات المتحدة في الوقت الراهن أن تستمر في دعم “إسرائيل” وأن موضوع الحكم ووضعية الأراضي على المدى الطويل يجب ألَّا تمليه واشنطن، حيث قال إن على الولايات المتحدة أن تستمر في دعم “إسرائيل” ومصر وحلفاء أميركا في الخليج بينما يقاربون هذه المشكلة، مبينًا أنَّ نقطة الارتكاز للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط يجب أن تبقى على إيران.

وعن أوكرانيا، قال الكاتب إن ترامب سيواصل تقديم المساعدات الفتاكة لأوكرانيا، بتمويل من الدول الأوروبية، وفي نفس الوقت سيبقي الباب مفتوحًا للدبلوماسية مع روسيا، واعتماد مستوى من الغموض معها، وأردف أنَّ ترامب سيدفع الناتو باتّجاه نشر القوات البرية والجوية في بولندا من أجل تعزيز القدرات على مسافة أقرب من الحدود الروسية والتأكيد بشكل لا لبس فيه على أنَّ الحلف سيدافع عن كامل أراضيه ضدّ “العدوان الخارجي”.

كذلك قال الكاتب إن على واشنطن أن تحرص على أن يفهم حلفاؤها الأوروبيون أن “الدفاع” الأميركي المستمر عن أوروبا مرهون بأن تفعل أوروبا ما هو مطلوب منها، بما في ذلك في أوكرانيا، وأضاف أنه إذا ما أرادت أوروبا أن تثبت أنَّها جادة في الدفاع عن أوكرانيا، فعليها أن تدخل أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي على الفور.

كما تحدث الكاتب عن ضرورة أن تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها التقني والعددي مقابل المخزون النووي لدى كلّ من الصين وروسيا، معتبرًا أنَّ من أجل ذلك يتوجب على واشنطن اختبار أسلحة نووية جديدة، لافتًا إلى أنَّه على الولايات المتحدة استئناف إنتاج اليورانيوم – 235 والبلوتونيوم – 239، وهي النظائر الأساسية في الأسلحة النووية.

إلا أنَّه اعتبر أنَّ تعزيز فاعلية الجيش وحده لن يكون كافيًا من أجل ردع المحور الجديد المكون من بكين وموسكو وطهران، مضيفًا أنَّ المطلوب تحالفات قوية بين “الدول الحرة” في العالم.

وتابع الكاتب أنَّ إدارة الرئيس الحالي جو بايدن تقوض مهمتها عندما تشكك بديمقراطية قادة منتخبين من المعسكر المحافظ، مثل الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو.

كما اعتبر أنَّ هؤلاء القادة يستجيبون لرغبة شعوبهم ويسعون للدفاع عن الديمقراطية ولكن بسياسات مختلفة عن تلك المعهودة.

وأكد الكاتب أنَّ إدارة بايدن تبدو أقل اهتمامًا برسم علاقات جيدة مع حلفاء ديمقراطيين حقيقيين وتركز اهتمامها في المقابل على الدفاع عن عبارات خيالية مثل “النظام العالمي القائم على النظام”، وأنَّ مثل هكذا خطاب يعكس نخبوية ليبرالية قائمة على العولمة والتي تلبس قناع المعتقدات الديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *