يصدر رئيس مجلس النواب نبيه بري بضعة أسطر، فلا يُصدر بيانًا، بل يُلقي درسًا. جاء ما قاله من عين التينة، بالتزامن مع وصول قائد الجيش إلى مكتبه، ليشكل نموذجًا مصغرًا لما يمكن تسميته، في علم تحليل الخطاب السياسي، بـ”الهندسة في المواجهات اللامتماثلة”: أن تعيد تعريف اللعبة كلها في سبع جمل.
ليس رفضًا.. بل تشريح
يلفت الانتباه، أول ما يلفت، في نص الرئيس بري أنه لا يرفض. يبدو الرفض فعلًا بسيطًا، قد يكون انفعاليًا، قد يكون متعنتًا. لا يقف الرجل في موقع يسمح له بالرفض المطلق، ولا بالقبول الأعمى. يتموضع في موقع “القارئ الناقد”، الذي يمسك بالوثيقة، يقلبها بين يديه، ثم يرفع بصره إلى الجمهور ليقول: انظروا، هذا ليس اتفاقًا، هذه عبوة.
يختار كلمته الأولى بعناية: “هجين”. يحمل الهجين في الثقافة العربية دلالة ما فقد نقاءه وأصالته. يبدو الاتفاق هجينًا لأنه لا يشبه الاتفاقات، لأنه يخلط بين وقف النار ونزع السلاح، بين الانسحاب والمناطق العازلة. يصعّد بعدها إلى كلمة “فُخِّخ”. لا يأتي التفخيخ وصفًا سياسيًا، بل توصيفًا أمنيًا. يقول للناس: لا تقرأوا هذا النص كما يُقرأ البيان الدبلوماسي، اقرأوه كما يُقرأ تقرير خبير المتفجرات. قد يبدو كل بند بريئًا، لكنه يحمل في داخله شركًا.
يختم المقدمة بجملة لا تقل قسوة: “جائر لا يستحق الذكر”. لا تشكل هذه إدانة، بل إعدامًا رمزيًا. يُدفن ما لا يُذكر في صمت التاريخ. يرفض الرجل أن يمنح النص شرف النقاش المطول.
بين سطرين: كيف تتعطل المتفجرات؟
ينتقل الرئيس بري، بعد التشريح، إلى ما هو أعمق. لا يكتفي بالقول إن النص مفخخ، بل يفتحه على مشهد من الجميع، ويريهم مواضع الخلل بدقة.
تكشف الجملة الأولى من تفنيده عن جوهر المسألة: “كان يمكن أن نقرأ إيجابًا… لو قرأت وقفًا لإطلاق النار دون قيد أو شرط… ولكنه فخخ فأضاف وقفًا تامًا لإطلاق النار من قبل حزب الله”. لا يقول هنا إن إسرائيل وأميركا تطلبان نزع سلاح حزب الله، فهذا معروف. يقول شيئًا أخطر: إن صياغة البيان توهم القارئ بأن المطلوب هو وقف نار، بينما المطلوب في العمق هو شيء آخر تمامًا. تتجلى هنا وظيفة “المُخترِق” في سياسة الخطاب: ليس تفنيد المضمون، بل كشف آلية التضليل ذاتها.
يستخدم في التفنيد الثاني سلاحًا لم يتوقعه أحد: علامات التعجب والاستفهام. “دون دخول أية جهات فاعلة !!!؟؟”. لا تشكل هذه زلة انفعال، بل سخرية ممنهجة. تقول للقارئ: انظر إلى هذه العبارة، واضحك معي. من سيحمي هذه المناطق؟ من سيضمن عدم تحولها إلى منطقة عازلة؟ تصبح السخرية هنا أداة تحليل، وليست مجرد تهكم.
أوافق.. الكلمة التي قلبت الطاولة
يأتي الانقلاب فجأة. يقول الرئيس بري، بعد أن شرح ونقد وسخر: “أوافق على ما يلي”. تشكل هذه الضربة الهندسية.
يحدد الموقع في السياسة، وفي المفاوضات تحديداً، المعنى. تظل، حين تكون في موقع من يُطلَب منه أن يقبل أو يرفض، في موقع المفعول به. تنتقل، حين تقول “أوافق”، دفعة واحدة، إلى موقع الفاعل. تمنح، لا تتلقى. لا يتوسل الرئيس بري تعديل النص، ولا يلوح بحق النقض. يتفضل ويوافق، ولكن بشروطه.
يضع شرطيه بعدها. ينص الشرط الأول: “يُفهم بوقف إطلاق النار كامل وشامل دون قيد أو شرط براً وبحراً وجواً وبدون تجريف وهدم كل ما هو قائم”. تستحق الصياغة التأمل. لا يقول “يُعدّل النص ليصبح كذا”. يقول “يُفهم”. يعني هذا أنه لا يعترف حتى بحق الآخرين في تفسير كلماتهم. يصدر تفسيراً سيادياً. تعني “وقف النار” في قاموسه شيئاً واحداً فقط: ما قاله هو. تدور هذه المعركة على المعنى، لا على الكلمات.
يشكل الشرط الثاني الضربة القاضية: “انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي احتلها”. تعيد كلمة واحدة، “بالتوازي”، كتابة البيان كله. فصل البيان بين الأمرين، فجعل من انسحاب حزب الله شرطاً مسبقاً. يجمعهما الرئيس بري في جملة واحدة، في نفس واحد، وكأنهما أمر واحد لا يتجزأ. لا تشكل هذه مفاوضة على صياغة، بل إعادة بناء كاملة لهندسة الاتفاق من أساسه.
رجل في المنتصف.. لكن بشروطه
يثير الانتباه شيء لافت في هذا النص: غياب “نحن” و”هم”. لا يوجد خطاب تعبوي جمعي، ولا تحشيد عاطفي. يحضر المتحدث بصفته “أنا” فقط. “أوافق”، “أقرأ”، “لا أطيل”. يتحدث الرئيس بري بصفته الشخصية، متحملاً مسؤولية ما يقول، غير مختبئ خلف غطاء مؤسسة أو طائفة أو حزب. يمنح هذا كلماته ثقلاً من نوع خاص.
يقف في مسافة وسطى بين جميع الأطراف، لكنها لا تشكل مسافة الحياد. تشكل مسافة “الوسيط الذي يملك شروطاً”. يقف، بين ترامب الذي يكرر أنه “تحدث مع حزب الله” مبتزاً السلطة ومتجاوزاً إياها، وبين الشيخ نعيم قاسم الذي وصف الاتفاق بأنه “خارطة طريق للإبادة والاستعباد”، وبين السلطة التي قبلت طوعاً بدور الأسير، تتحدث عن “فرصة أخيرة” وتعوّل على “الراعي الأميركي”، ليقول شيئاً رابعاً: “أنا أقرأ النص، وأنا أفهمه، وأنا أوافق عليه.. ولكن كما أفهمه أنا، لا كما كتبتموه أنتم”.
تتجلى “السيطرة الإدراكية” هكذا في السياسة العملية. لا تكمن بالضرورة في بناء إطار جديد كامل ومغلق، بل أحياناً في القدرة على إعادة فتح إطار ظُنّ أنه أُغلق. تكمن في أن تنتزع من يد الخصم قلم كتابة الواقع، وتبدأ أنت في كتابته بطريقتك.
خلاصة: سبع جمل تكفي
فعل الرئيس بري، في سبع جمل، ما قد تعجز عنه صفحات. لم يرفض فليُقصَ، ولم يقبل فليُهزم. فتح طريقاً ثالثة، لا هي رفض ولا إذعان. يتمثل جوهر المناورة السياسية، حين تتحول إلى هندسة، في هذا: أن تغير شروط اللعبة لا أن تلعب داخلها فحسب.
كان يمكن للرجل أن ينتقد ويشجب ويدين، كما يفعل الكثيرون. اختار طريقاً أصعب وأذكى: أن يقول “أوافق”، ثم يضع من الشروط ما يجعل موافقته هذه أقوى من رفض غيره. يعرف الجميع، حين يخرج قائد الجيش من عين التينة بعد هذا اللقاء، أن ثمة من أعاد فتح الملف الذي ظُنّ أنه أُغلق.
لا تكمن القوة في السياسة، كما في الحياة، دائماً في الصوت العالي، ولا في الرفض المطلق، ولا حتى في الخطاب البليغ. تكمن أحياناً، كلها، في بضعة أسطر، تكتب بهدوء، وتقلب الطاولة على الجميع.



