ليست «الأصنومية السياسية» ظاهرة طارئة على زمننا، ولا اختراعاً حديثاً لزعماء الاستعراض والقوة. إنها، في جوهرها، إعادة إنتاج قديمة لنمط سلطوي كشفه القرآن الكريم قبل قرون: سلطة تقوم على الاستعراض، وتستمد شرعيتها من الرهبة، وتتصوّر أن فائض القوة كافٍ لإخضاع الشعوب وكسر التاريخ.
القرآن الكريم لا يقدّم هذه النماذج بوصفها سرداً وعظياً، بل يضعها في سياق سنني صارم، يفضح منطق الطغيان ويحدّد نهاياته. ولهذا لا يمكن فهم مشاهد غزة ولبنان واليمن وفنزويلا وايران بمعزل عن هذا الإطار؛ فهي ليست «أحداثاً سياسية» فحسب، بل تجلّيات معاصرة لسنن إلهية متكررة.
سحر القوة… حين تتحول السياسة إلى استعراض
حين واجه موسى فرعون، لم يكن الصراع بين عصا وسيوف، بل بين حقيقتين سياسيتين:
حقيقة تستند إلى الحق، وأخرى تقوم على الخداع البصري.
يقول تعالى:
{سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف: 116].
هذا هو جوهر «الأصنومية»: صناعة الخوف بوصفه بديلاً عن الشرعية. فرعون لم يقنع قومه، بل استخفّهم:
{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54].
السياسة الحديثة تعيد إنتاج هذا النمط بأدوات أكثر تطوراً: العقوبات، الإعلام، الحصار، التهديد، والعقاب الجماعي. تجربة ترامب في فنزويلا مثال فجّ: قوة كاسحة، أدوات ضغط شاملة، وانشقاقات داخلية وخطف الرئيس بمسرحية خيانية… لكن النتيجة كانت صفراً سياسياً. لأن المشروع، في جوهره، كان سحراً لا حقيقة.
العصا التي تلقف: لماذا ينهار الاستعراض فجأة؟
اللحظة الفارقة في قصة موسى ليست التحدي، بل الإبطال:
{فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف: 117].
«التلقّف» هنا ليس انتصاراً تدريجياً، بل سقوطاً فورياً لمنطق كامل. حين ينكشف الاستعراض، لا يعود يحتاج إلى هزيمة عسكرية شاملة؛ يكفي أن تُسحب عنه هالة الرهبة.
هذا ما حدث في اليمن، حين تحولت أدوات الهيمنة البحرية والعسكرية إلى عبء، وتراجعت الأساطيل أمام كلفة الاستمرار. لم يُهزم الخصم في معركة واحدة، بل سقط منطقه الردعي.
الغرق: نهاية القوة حين تطارد المستضعفين
فرعون لم يُهزم وهو جالس على عرشه، بل حين قرر ملاحقة من ظنّهم ضعفاء:
{فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} [الشعراء: 60].
لحظة الغرق لم تكن حادثاً عسكرياً، بل نتيجة حتمية للاستكبار:
{فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103].
هذه السنة تتكرر اليوم في غزة وجنوب لبنان. آلة عسكرية فائقة، لكنها عاجزة عن تحقيق هدفها السياسي المركزي: كسر الإرادة. كلما طال أمد الحرب، اقترب المشروع من «اليم» الذي يبتلع فائض القوة حين ينفصل عن المعنى.
النمرود وقارون: حين تسقط أوهام التحكم والمال
قال النمرود:
{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]،
فانكشف عجزه أمام أبسط سنن الكون.
وقال قارون:
{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78]،
فخُسف به وبماله.
السياسة الدولية اليوم تعيد إنتاج النمرود باسم «الردع»، وقارون باسم «العقوبات الاقتصادية». لكن النتيجة واحدة: حين تتحول القوة والمال إلى أدوات استعلاء، فإنهما يصبحان سبب السقوط لا مصدر النجاة.
الصمود: النقيض القرآني للأصنومية
في مقابل منطق الاستعراض، يضع القرآن منطقاً آخر:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139].
الصمود ليس انتظاراً سلبياً، بل فعل مقاومة وجودي. في غزة، الصمود ليس مجرد بقاء تحت القصف، بل إفشال مشروع الشطب. في جنوب لبنان، العودة إلى القرى المدمرة ليست حركة عاطفية، بل إسقاط عملي لرهان التهجير. وفي اليمن، الصبر الطويل حوّل الاستنزاف إلى أداة ردع.
حين تتكرر السنن… وتنهار الأصنام
من فرعون إلى نماذج الاستكبار المعاصر، تتبدل الأسماء وتبقى البنية واحدة. ولهذا يقول القرآن بوضوح سياسي حاسم:
{إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ} [العنكبوت: 41].
القوة التي لا تستند إلى الحق، مهما تضخّمت، تبقى واهنة أمام صمود صادق. والهزيمة، في منطق السنن، لا تُقاس فقط بسقوط العواصم، بل بفشل المشاريع.
وفي هذا كله تتحقق الوعدية الكبرى:
{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5].
ليس لأنهم أقوى، بل لأنهم أثبت.
*د.عاطف الموسوي المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية / له مباحث ودراسات عديدة ومشاركات مختلفة في مؤتمرات ذات طابع علمي في لبنان والخارج.
