بين ضغوط البورصة وأناة الحياكة: قراءة في فلسفة إدارة الصراع بين واشنطن وطهران
أولاً: الفلسفة الإدراكية في العقيدة الدبلوماسية الأمريكية
تعتمد الدبلوماسية الأمريكية، والمستقاة من أدبيات “جامعة الحرب”، على تحويل العملية التفاوضية من نشاط قائم على المعايير الدبلوماسية التقليدية إلى “امتداد للصراع بوسائل غير عسكرية”. في هذه الفلسفة، لا تُمثل الحقيقة المجردة قيمة في حد ذاتها، بل العبرة بما يتم تسويقه كحقيقة وتصويره للخصم عبر “إدارة القلق” . الهدف الجوهري ليس إقناع الطرف الآخر، بل إعادة هندسة واقعه الذهني بحيث يُدفع لا شعورياً لتفضيل التنازل الملموس على الخطر المجهول، ظناً منه أنه يحمي مصالحه، بينما هو في الحقيقة ينفذ إرادة واشنطن.
تتجلى هذه الفلسفة في التصريحات الأخيرة التي قال فيها الرئيس ترامب: “أكبر السفن الحربية لدينا قريبة جداً من إيران”، وفي إبداء استعداد واشنطن عبر القناة 12 العبرية لعقد لقاء بهدف التوصل لاتفاق. ووفقاً لهيئة البث عن مصادر إسرائيلية، فإن ترامب يتبنى استراتيجية “تفكيك المشروع النووي”، بينما تضغط إسرائيل لتوسيع الإطار ليشمل “تفكيك القدرات الصاروخية”، مما يوضح سعي واشنطن لفرض إطار ذهني يحصر خيارات الخصم بين الاستسلام التقني أو المواجهة الشاملة.
ثانياً: تطبيق العقيدة الأمريكية: “المطور العقاري” والضغط الزمني.
تتعامل واشنطن مع الملف الإيراني بعقلية “المطور العقاري” وبائع الأسهم الذي يلهث خلف الربح السريع المرتبط بدورات انتخابية وضغوط زمنية قصيرة، ويريد الاستحواذ على “الأصل” السيادي الإيراني بأقل ثمن. لتنفيذ ذلك، تعمد واشنطن لتكتيك “التحكم في الإطار الذهني” وحصر النقاش في “منع الكارثة”، مستخدمة “الغموض الموجه” و”الخداع الزمني” كما في قول ترامب: “سنرى ما إذا كان بإمكاننا فعل شيء”، محاولاً وضع إيران في “غرفة انتظار” نفسية تُحول الوقت إلى عبء اقتصادي. وحين يهدد ترامب قائلاً: “إذا لم نصل لاتفاق سنستكشف ما إذا كان خامنئي على حق”، فإنه يمارس ضغطاً لإجبار طهران على الاختيار بين شروطه أو المواجهة، معلقاً على تحذيرات القيادة الإيرانية بقوله: “نأسف لقوله ذلك”.
ثالثاً: الاستجابة الإيرانية: “حائك السجاد” والمقاومة الإدراكية.
في المقابل، تبرز الدبلوماسية الإيرانية كوريثة لعراقة تاريخية تمتهن حياكة السجاد بإتقان وأناة؛ حيث يتم التعامل مع الضغوط الأمريكية كإبرة تنسج خيوط القوة. القيادة الإيرانية تدرك أن التفاوض ساحة حرب إدراكية، فتقابل “السرعة” الأمريكية ببرود أنفاس يحول عامل الوقت لسلاح ضد واشنطن. الإيراني لا يتسرع في عقد الصفقة إلا بالسعر الذي يناسبه، وكل ضغط يحوله لفرصة لتمتين “القطب المخفية” ورصّها أكثر. وقد ردد النواب الإيرانيون، وهم يرتدون الزي العسكري، هتافات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل” رداً على ادعاء ترامب بأن إيران تتفاوض، في رسالة واضحة بأن “الوضوح العقائدي” والخطوط الحمراء لا تقبل الانزلاق خلف الأوهام أو الابتزاز الزمني لبائع أسهم يبغي الربح السريع.
رابعاً: ثبات الموقف الإيراني وتحطيم أطر التهديد
تأتي تصريحات الإمام الخامنئي لتفكك الإطار الذهني الأمريكي القائم على الترهيب، حيث أكد أن “الشعب الإيراني لا يتأثر بالتهديدات وبالحديث عن إحضار السفن الأميركية للمنطقة”، موضحاً أن “حديث الأميركيين عن الحرب والطائرات والسفن ليس جديداً فهم هددوا مراراً وأكدوا أن جميع الخيارات مطروحة”. هذا الصمود الإدراكي يدعمه تحذير استراتيجي بأن “على الأميركيين أن يعلموا أن الحرب إن أشعلوها ستكون حرباً إقليمية”. وفي الوقت الذي تتحدث فيه “أكسيوس” عن جهود قطر وتركيا ومصر لتنظيم اجتماع في أنقرة، أبلغت إيران دول الخليج بلهجة حاسمة أن أي رد مستقبلي على القواعد الأمريكية لن يكون رمزياً، وأنه إذا ارتكبت أمريكا أي خطأ، فإن “الجنود الأمريكيين سيُقتلون”.
خامساً: مفهوم “الليونة البطولية” (نرمش قهرمانانه).
تُعد استراتيجية “الليونة البطولية” (بالفارسية: نرمش قهرمانانه) ذروة الإبداع الإدراكي الإيراني لإحباط تكتيكات جامعة الحرب الأمريكية. هذا المفهوم، الذي صاغه الإمام الخامنئي، ليس تنازلاً أو ضعفاً، بل هو “مناورة فنية” تعتمد مبدأ الانحناء الاستراتيجي لامتصاص صدمة الضغط الخارجي واستخدام قوة الخصم ضده.
شرح المفهوم بالعربية يتلخص في كونه “مرونة تكتيكية في القشور لحماية الجوهر الصلب”. تهدف هذه الليونة لإيهام “المطور العقاري” بأنه حقق اختراقاً دبلوماسياً، بينما يقوم المفاوض الإيراني في الحقيقة بانتزاع مكاسب تقنية وزمنية (مثل الحفاظ على أبحاث الطرد المركزي المتطورة أو تمتين النفوذ الإقليمي) تحت غطاء الحوار. هذا “الانفصام الإجرائي بين المظهر والنية” يجعل الإيراني يبدي مرونة مظهرية في المحافل الدولية، بينما يبرز الوجه الخشن في رسائل التهديد المباشرة وقتل الجنود الأمريكيين إذا ارتكبت واشنطن حماقة عسكرية.
المناورة الإدراكية في الأزمة الشرق أوسطية: دراسة في التضاد المنهجي بين مدرستي التفاوض الأمريكية والإيرانية
الخلاصة والنتيجة التحليلية: إن الصدام الحالي هو صراع بين من يؤمن بأن “من يملك الشاشة يملك الحقيقة” (الأمريكي) ومن يؤمن بأن “من يملك الخيط يملك السجادة” (الإيراني). الأمريكي يمارس “الابتزاز في ثوب التفاوض” بميزان مكسور، طامعاً في “الشفافية التي تقتل المناورة”، بينما يواجهه الإيراني بـ “الوضوح العقائدي” و”الليونة البطولية” التي تمنع الانزلاق خلف الأوهام. في النهاية، يكتشف المطور الأمريكي أن “الخداع الزمني” قد تم استيعابه، وأن الحائك الإيراني قد نجح في رصّ قطب سجادته أكثر، تاركاً بائع الأسهم يواجه خسائر الوقت مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وضيق هوامش المناورة لديه، بينما تظل “القطب المخفية” الإيرانية هي الضامن لمتانة السجادة أمام محاولات التمزيق.
