لا يتعلّق التناقض اللّافت بين “عذوبة الشعر” و”صدق الإعلام” بمجرّد التمييز البلاغي بين فنون القول، بل هو تعبير عن أزمة خطاب (إعلامي-سياسي) وجودية تلمس صميم عصرنا. فالشاعر ينسج عالماً متحرّراً من قيود الواقع، حيث تكمن الحقيقة في جمال التخييل وقوّة المجاز، ومن هنا كان القول المأثور “أعذب الشعر أكذبه”. أمّا الإعلام، في فضاء المعركة الحقيقية على الوعي والمصير، فلا تكمن عذوبته في حلاوة الألفاظ أو إغراء الأوهام، بل في صلابة التزامه بالحقيقة الواقعة ونُبله في التصاقه بها. وهكذا يصبح القول بأن “أعذب الإعلام أصدقه” نفيًا لمعيار الشعر ومُكَمِّلاً له في آنٍ واحد، إذ يرفع من قدر الكلمة التي تتجرّأ على ملامسة جمر الواقع لإنارته، لا لاحتراقه.
الفقاعة الخطابية: عندما تتحوَّل المقاومة من فعلٍ إلى “أَصْنُوم” (Fétiche)
لم يَعُدِ الإعلامُ مجرَّد ناقلٍ للأخبار في زمننا هذا، بل صار فاعلاً أساسياً في تشكيل الوعي ورفع أسقف التوقعات، حتى لتكادُ الوعود تسبق الطائرات، والخطابات ترفع البنيان قبل وضع الحجر الأول. لقد شهدنا، وللأسف، كيف تحوَّل جزءٌ من الخطاب المنسوب إلى فضاء المقاومة إلى ساحرٍ ينسج من الأوهام يقينياتٍ، ويُحوِّل التقديرات التكتيكية إلى نبوءاتٍ حتميةٍ لا تقبل النقاش. وهنا لا يجري الخَدَرُ في ساحة القتال، بل في عقل الجمهور الذي يُحمَّل تبعات نفسية ومعنوية إضافية، كمن يُربط بوعود السراب ثمّ يُرمى في بحر الرمال.
من منظور بيار بورديو، هذه الآلية هي أداة “عنف رمزي” مُحكمة؛ إذ تُفرض رواية واحدة للواقع فتصير “أَصْنُوماً” (Fétiche) – صنماً يُعبَد وتُنسَب إليه قوة سحرية، في عملية لا واعية تفرض أن يغيب النقد، وينحسر التمييز بين الرمز والواقع، لصالح هيمنة خطابية تتحكّم بالوعي الجمعي.
وهو ما عبّر عنه أبو العلاء المعري بإيجازٍ مذهل قبل قرون، واصفاً آلية الخلط والالتباس هذه:
قَدْ مَزَجُوا بِالنِّفَاقِ فَامْتَزَجُوا وَالْتَبَسُوا العِيَانَ وَاشْتَبَهُوا
إنه تشريح دقيق لحالة الالتباس التي يُنتجها الخطاب المزوّر، حيث يمتزج القول بالنفاق حتى يختلط الحقّ بالباطل على أعين الناس، فلا يعودون يُميّزون الواقعَ من الوهم.
وبتعبير غرامشي، إنها إعاقة لـ “حرب المواقع” الثقافية البطيئة التي تبني الوعي النقدي، واستبدالها بهتافات غرائزية تذوب في فضاء الضجيج، بينما تبقى “حرب الحركة” الميدانية تجري وفق حسابات أخرى أكثر تعقيداً.
هنا تبرز حكمة كارل بوبر في ضرورة “قابلية الدحض”؛ فالنبوءة الإعلامية التي ترفض أي احتمال للخطأ تخرج من حقل المعرفة إلى حقل الدعاية. وهي، كما يحذّر رايت ميلز، تصبح أداة في يد نخب تهدف إلى السيطرة على الوعي وصناعة واقع موازٍ يخدم مصالح سلطوية، قد تتعارض في جوهرها مع الصمود الحقيقي على الأرض المخضَّب بدماء وتضحيات المجاهدين، وصبر وعنفوان الحاضنة الاجتماعية.
الثمن النفسي: الوباء العاطفي والجماهير المستَلَبة
الخطورة لا تكمن في التشويش الفكري فحسب، بل في الجَرح النفسي الجمعي. فكما يحلّل ويلفريد بيون وفرويد، فإن التضليل المستمر وإنتاج التوقعات الوهمية يولِّدان “عدوى عاطفية” وقلقاً جماعياً ينتشر كالوباء. هذا التوتر، كما يشرح غوستاف لوبون في سوسيولوجيا الجماهير، يُذيب الإرادة الفردية الناقدة في بوتقة عاطفة القطيع، فتُستَلَب الجماهير لصالح الرمز وتغرق في حربٍ ليست حربَها.
ويأتي تأكيد ميكيافيللي على الواقعية السياسية كمُصحِّح أساسي؛ فرفع سقوف الخطاب الإعلامي دون مراعاة موازين القوى هو ضرب من الانتحار السياسي الذي يهدر المصداقية ويُثقِل كاهل الناس بتوقعات كاذبة، لينقلب سخطهم لاحقاً على القضية ذاتها، لا على مهرجي الكلمة فحسب.
التمييز: ليس المستأجَرة كالثكلى
غير أنَّ الخطر الأكبر يكمن في الخلط العشوائي. فالنقد الحقيقي يفقد روحه إن هو عمَّم وأسقط الجميع في سلَّة واحدة. المشهد ليس أحادياً. فيه:
· المرتزق: بائع الأوهام الذي يحوِّل القضية إلى سلعة وخطاب المقاومة إلى “أَصْنُوم” يُباع في سوق الدعاية، مستفيداً من الهيمنة الرمزية التي يحلِّلها بورديو.
· المستهلِك الخامل: وهو نتاج تلك الهيمنة، يقبل “الوجبة الجاهزة” من الخطاب دون أن يكلف نفسه عناء الطهي أو التنظيف، مُعيداً إنتاج الأوهام بلا وعي.
· الإعلامي الشريف: وهو “المثقف العضوي” بمنظور غرامشي، الذي يرفض الأصنومية ويمارس “حرب مواقع” فكرية يومية. قوته في صدقه، وشجاعته في قول ما يعرف، لا ما يُطرب السامعين. هو من يدرك أن “ليس المستأجَرة كالثكلى”، وأن من يقف على خط التماس يدفع ثمناً مختلفاً عمّن يصف المعركة من شرفة مكيّفة.
الخاتمة: نحو خطابٍ يحمل رائحة الأرض لا عطر الأوهام
إن المرحلة الحالية تستدعي صحوة خطابية مسؤولة. الهدف ليس النيل من فكرة المقاومة، بل حمايتها (ممن يرفعون عقيرتهم ويتلبَّسون لباس الدفاع عنها) من آفة التضليل الذي يهدر أعظم أسلحتها: الثقة. فالمعركة على العقل والقلب لا تقل مصيرية عن سواها، والصدق فيها هو السلاح الأمضى.
فالحرب، في النهاية، “في الصيف حمّارة القيظ، وفي الشتاء بَرَدُ القُرّ”. والفرار من مواجهة الحقيقة بالكلمة الصادقة هو هروب من جبهة لا تقل أهمية. لنكن من أهل العزم الذين تأتي عزائمهم على قدر إخلاصهم للحقيقة، لا على قدر عذوبة أوهامهم. فذلك هو الدرب الوحيد لبناء مصداقية تبقى صخرةً صلدة في وجه كل عاصفة، وتُعيد للإعلام عذوبته الحقيقية المستمدة من صدقه، لا من سحر أكاذيبه.



