إيران والغرب: بين المعنى والبرنامج النووي… د.عاطف الموسوي

لم تكن زيارة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو لإيران قبيل انتصار الثورة الإسلامية مجرد فضول فكري تجاه حدث سياسي غير مألوف، بل شكّلت لحظة مفصلية أربكت التفكير الغربي في معنى الثورة والسلطة والحداثة. هناك، واجه فوكو ثورة لا تشبه ما اعتاده الفكر السياسي الغربي: بلا حزب طليعي، بلا برنامج اقتصادي واضح، وبلا أيديولوجيا طبقية، لكنها تمتلك قدرة هائلة على التعبئة، واستعدادًا جماعيًا للتضحية، وكسرًا عميقًا لمنطق الخوف.
ما رآه فوكو لم يكن انتفاضة جياع، بل تمرّدًا على نمط حياة كامل، وعلى نموذج سيادة، وعلى احتكار الغرب لتعريف العقلانية والتقدّم. من هنا صاغ مفهومه الإشكالي: «الروحانية السياسية». لا بوصفها دعوة إلى دولة دينية، ولا تمجيدًا للعقيدة، بل توصيفًا للحظة يصبح فيها الفعل السياسي مسارًا لتحوّل أخلاقي وجودي. السياسة هنا لا تُختزل في تحسين شروط العيش أو الصراع على السلطة، بل تتحوّل إلى بحث عن معنى الحياة والموت والعدالة والكرامة.
في هذه النقطة تحديدًا التقى إدراك فوكو مع خطاب قائد الثورة، الإمام الخميني. فوكو رأى في الثورة الإيرانية إرادة جماعية للتضحية، وفعلًا سياسيًا يتجاوز منطق المنفعة، وكسرًا لنموذج الدولة الحديثة ذات السيادة التقنية. في المقابل، قدّم الخميني الثورة باعتبارها استعادة للعدالة، ونفيًا للطاغوت، وامتدادًا لكربلاء بوصفها نموذجًا دائمًا للصراع بين الحق والباطل. هنا التقى المعنى الفلسفي عند فوكو مع الرمز الديني عند الخميني: الثورة بوصفها فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون مشروع حكم.
غير أن هذا الالتقاء بقي محصورًا في لحظة الثورة. فوكو توقّف عند الانفجار، ولم يرافق التحوّل إلى الدولة. لم ينظّر لولاية الفقيه، ولم يقدّم تصورًا لكيفية إدارة الروحانية حين تتحوّل إلى مؤسسة سيادية. وهنا تبدأ الإشكالية الكبرى: كيف تُدار طاقة التحرّر عندما تصبح سلطة؟ وكيف لا تتحوّل الروح إلى جهاز ضبط جديد؟
من منظور فوكوي، لا يمكن فهم إيران ما بعد الثورة كدولة «طبيعية» داخل النظام الدولي. فهي لا تطالب فقط بالأمن أو التنمية، بل تطالب بحق تعريف ذاتها خارج النموذج الغربي للحداثة والسيادة. لذلك لا يمكن اختزال برنامجها النووي، أو منظومتها الصاروخية، أو خطابها الإقليمي في كونها ملفات تقنية أو أمنية. هذه عناصر في ممارسة سيادة رمزية تعبّر عن رفض احتكار الغرب لتعريف الخطر، والشرعية، والعقلانية.
في المقابل، يتعامل الغرب مع إيران عبر أنماط سيادة مختلفة لكنها متكاملة. الولايات المتحدة، خصوصًا في عهد دونالد ترامب، تمارس سيادة صفقاتية تختزل السياسة في الابتزاز والقوة. أوروبا تمارس سيادة معيارية قانونية تُدير الصراع بلغة الاتفاقات والعقوبات من دون امتلاك قرار سيادي مستقل. أما إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، فتمارس سيادة أمنية قصوى تقوم على إدارة الخوف وتسييس الحياة والموت. ما يجمع هذه الأطراف هو رفض قبول نموذج سيادي يخرج عن المرجعية الغربية للشرعية.
في قلب هذا الصراع تقف فلسطين. لا بوصفها قضية إنسانية، ولا أزمة لاجئين، ولا نزاعًا حدوديًا، بل بوصفها أزمة معنى. فلسطين تكشف التناقض البنيوي في النظام الدولي الحديث: خطاب حقوق الإنسان يتعطّل أمامها، والقانون يُطبّق انتقائيًا، والشرعية تُمنح بالقوة لا بالعدالة. الشعب الفلسطيني لم يُجرَّد فقط من أرضه، بل من حقه في السرد، في التسمية، وفي الاعتراف. الظلم هنا ليس ماديًا فحسب، بل وجودي وخطابي.
ضمن هذا الإطار، لا تُفهم إسرائيل ككيان أخلاقي أو شيطاني، بل كبنية سلطوية أُنشئت لتؤدي وظيفة محددة داخل منظومة الهيمنة الغربية: ضبط المجال الإقليمي، منع تشكّل سيادة عربية مستقلة، وإدارة الصراع بدل حلّه. إنها ليست مركز الصراع لأنها الأقوى، بل لأنها تؤدي دورًا وظيفيًا في إنتاج «استقرار» غير عادل.
لهذا تصبح فلسطين مركز الصراع الدلالي، لا هامشه. فهي بلا دولة وبلا سيادة وبلا اعتراف كامل، ومع ذلك تفضح النظام القائم وتقاوم داخله بالمعنى. وهي، بهذا المعنى، أخطر على النظام الدولي من خصم عسكري تقليدي، لأنها تكشف أن المشكلة ليست في خرق القواعد، بل في القواعد ذاتها.
من هنا يُفهم تبنّي إيران للقضية الفلسطينية لا كموقف خارجي أو ورقة تفاوض، بل كجزء من تعريف الذات الثورية، ورفض الاعتراف بشرعية نظام دولي ينتج الظلم ثم يطالب ضحاياه بالامتثال له. رفض الاعتراف بإسرائيل هو، في جوهره، رفض الاعتراف بحق الغرب في احتكار تعريف الشرعية.
من فوكو إلى اليوم، يتضح أن ما يُواجَه في إيران وفلسطين ليس خطر السلاح، بل خطر المعنى حين يخرج عن السيطرة. الصراع ليس تقنيًا، ولا قابلًا للحل عبر الاتفاقات وحدها، لأنه صراع على من يملك حق تعريف العالم، ومن يُسمح له بالوجود داخله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *