بوتيرة “منخفضة” نسبيًا، ومن دون الكثير من “الطنّة والرنّة”، عاد مشهد ​قطع الطرقات​ وإحراق الإطارات خلال اليومين الماضيين، في عدد من المناطق اللبنانيّة، تحت عناوين شتّى، على رأسها الاحتجاج على تردّي الأوضاع المعيشيّة، في ظلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، والتي فاقت قدرة المواطنين على الصبر والتحمّل.

قد تكون أزمة انقطاع التيار الكهربائي والتقنين القاسي من أهمّ الأسباب التي دفعت الكثير من الناس إلى النزول “عفويًا” إلى الشارع، بعدما فُقِدت “البدائل”، في ضوء تمدّد أزمة ​المحروقات​، وتوقّف الكثير من ​المولدات الخاصة​ عن العمل قسريًا بسبب مُعلَن هو نفاد مادة المازوت، في أحدث حلقات مسلسل “الذلّ” اللبنانيّ.

ويتزامن ذلك مع “جمود” سياسيّ يبدو “بلا أفق” على أكثر من صعيد، في ظلّ “التخبّط” المستمرّ، على خط ​تأليف الحكومة​، رغم مرور أكثر من عشرة أشهر على استقالة حكومة حسّان دياب على وقع ​انفجار مرفأ بيروت​ المروّع، من دون أن تظهر أيّ بشائر توحي بقرب “الفرج”، وكأنّ لا شيء مستعجلاً من الأساس.

فهل يكون ما حصل خلال اليومين الماضيَين “مقدّمة” لتجدّد “حراك الشارع”، بصورة أو بأخرى؟ وهل يكون “الحراك”، إن وُجِد، مختلفًا هذه المرّة، خصوصًا أنّ الأزمات المتفاقمة ينبغي أن توحّد اللبنانيين الذين يتشاركون جميعًا المعاناة والمأساة نفسها، بمُعزَلٍ عن الانتماءات والميول السياسيّة، بكلّ تلاوينها وتشعّباتها؟

مسلسل “الذلّ” مستمرّ

بالنسبة إلى كثيرين، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرَح إزاء الأزمات اللبنانية المتفاقمة، ليس إن كان “الحراك” سيتجدّد على الأرض من جديد، بمُعزَلٍ عن الصراع على تسميته، بين “ثورة” و”انتفاضة” وما شابه، بل بكلّ بساطة، لماذا لم يتجدّد فعليًا بعد، وبكلّ ديناميكية وقوة، يفترض أن تكون من “البديهيّات” في الوضع الحاليّ.

لعلّ مسلسل “الذلّ” المتواصل منذ أشهر كافٍ للدفع نحو مثل هذا الاستنتاج، وهو المسلسل الذي وصل إلى أوجه قبل يومين، مع مشهد “سوريالي” لم يتخيّله أقصى المتشائمين، في ضوء حالة “الشلل” التي ضربت مبنى وزارة الخارجية، بسبب انقطاع الكهرباء، وهو الذي يُعَدّ من أهمّ المباني في عاصمة بيروت الإداريّة، حيث يتمّ إنجاز معاملات المواطنين والمغتربين والمقيمين على مدار الساعة.

ويُضاف هذا المشهد إلى “مأساة لبنانية” لا شيء يوحي بأنّها ستنتهي في المدى المنظور، مأساة “تختزلها” الطوابير المتنقّلة بين محطات المحروقات، والتي تزداد يومًا بعد آخر، ليصبح البحث عن “تنكة بنزين” رحلة مضنية ومحفوفة بالمخاطر في “بلاد الأرز”، تمامًا كما أصبح العثور على مجرّد دواء بسيط وعاديّ، ولأمراضٍ بعضها مُزمِن، بمثابة “مغامرة” قد لا تُكتَب لها النهاية السعيدة، وفق ما أثبتت الكثير من التجارب.

كلّ ما سبق في وادٍ، وأزمة الغلاء الفاحش في وادٍ آخر، ف​الدولار​ يواصل تحليقه “الجنونيّ”، ضاربًا المزيد من الأرقام القياسيّة، فيما الرواتب لا تزال على حالها في معظم المؤسسات، أو طالتها زيادات “طفيفة” لا تُذكَر لبعض المحظوظين ممّن لم يضربهم داء “البطالة”، الذي لم يعد ثمّة “مهرَب” منه بالنسبة للكثير من العائلات، التي بات شراء قوت يومها يفوق طاقتها، بل يعادل رواتب بعض الموظّفين.

سياسيون لا يكترثون!

وطالما أنّ “كرامة” المُواطن باتت “مهدورة” بصورة أو بأخرى، فإنّ كلّ ما سبق من وقائع لا مبالغة فيها، بل قد تكون “ملطَّفة” إلى حدّ بعيد، أكثر من كافية لاندلاع “ثورة” في أيّ بلد، حتى لو كان يتمتّع بنخبة سياسية “واعية ومسؤولية”، وبحكومةٍ أصيلة تواجه التحدّيات، وتضع هموم الناس على صدر أولوياتها، وبقادة يدركون “حساسيّة” الوضع، ويتصدّون لمهمّة الإنقاذ، من دون أيّ حسابات تحرفها عن مسارها المفترض.

لكن، ولسخرية القدر، يجد اللبنانيون أنفسهم مع طبقة سياسيّة غير مكترثة لكلّ ما سبق، فهي تحارب “طواحين الهواء” منذ عشرة أشهر لتشكيل حكومة تطلق عليها صفة “الإنقاذ”، لكنّها لا تتوخّى منها سوى “زيادة المغانم”، تمامًا كما دأبت على مدى سنوات، ولا تجد “حَرَجًا” في التعطيل من أجل وزيرٍ بالزائد أو بالناقص، ومن أجل حقيبة خدماتية هنا، وأخرى “دَسِمة” هناك، من دون أن تقدّم أيّ “تضحية” تفترضها الظروف “الاستثنائية”.

وللدلالة على ذلك، قد يكون من المناسب استعراض تطورات الملفّ الحكوميّ خلال الأسبوع الأخير، الذي سجّل “ذروة” الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. في هذا الأسبوع، كان رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​ خارج البلاد، كما فعل في معظم فترة تكليفه، متحجّجًا بأنّ الآخرين هم من يعرقلون مهمّته. في المقابل، كان رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير السابق ​جبران باسيل​ يفتتح “موسم الانتخابات”، بسجال “ناريّ” مع “القوات اللبنانيّة”.

أكثر من ذلك، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام “تحليلات وتكهّنات” حول العلاقة بين “​حزب الله​” و”التيار الوطني الحر”، ومصير “تفاهم معراب”، في ضوء “رسائل” باسيل في خطابه الأخير، و”امتعاضه” شبه المُعلَن من موقف حليفه، وكأنّ هناك من يكترث أصلاً لصمود تحالفٍ سياسيّ من هذا النوع، فيما البلاد كلّها باتت على حافة المجهول، وقد ضربها “الانهيار الشامل”، من دون أن يوفّر الأخضر واليابس.

“الثورة المطلوبة”

يرفض بعض اللبنانيين فكرة “الثورة” بحدّ ذاتها. بعضهم يعتبر أنّ “الأولوية” اليوم لحلّ الأزمة المعيشية والاقتصادية، وأنّهم لا يملكون “ترف” رفع سقف المَطالِب، وصولاً لحدّ رفع شعار “تغيير جذري”، ولو كان مُحِقًّا، خصوصًا بعدما ثبُت وجود مشكلة راسخة في النظام اللبنانيّ ككلّ، بعيدًا عن “هالة القداسة” التي يحاول البعض فرضها عليه.

بعضهم الآخر يرى أنّ تجربة “الثورة”، في إشارة إلى انتفاضة السابع عشر من تشرين، لم تكن مشجّعة، لا سيّما بعدما تحوّلت إلى “بعبع”، مع نجاح الطبقة الحاكمة في تكريس “انطباع” بأنّ هذا الحِراك كان وراء تدهور قيمة العملة وما تبعها من أزمات، وهو انطباع لا شكّ يفتقد إلى الحدّ الأدنى من المنطق.

في مطلق الأحوال، فإنّ هذه “الثورة”، بعيدًا عن التجربة السابقة، وبعيدًا عن الهواجس والمخاوف، التي قد يكون بعضها “مشروعًا”، فيما بعضها الآخر “تهويليّ” لا أكثر، قد تكون “أوجب الواجبات” في هذه المرحلة، لا سيما بعد أداء السلطة التي تتمادى في ممارساتها، من دون أن تبدي أيّ حسّ بالمسؤولية.

قد يكون النقاش حول شكل هذه “الثورة” وطبيعتها، وربما حدودها، خاضعًا لوجهة نظر، لكنّ فكرة “الثورة على النظام” بعد أكثر من عشرة أشهر من “الصراع” لتشكيل حكومة، أضحت أكثر من “واقعيّة”، ولا تحتمل أيّ أخذ أو ردّ!النشرة.

By AS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *