ألقى الأمين العام لحركة التوحيد الاسلامي فضيلة الشيخ بلال سعيد شعبان خطبة الجمعة من على منبر مسجد التوبة بطرابلس فاستهلها فضيلته بالآية الكريمة ” لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” معتبراً أن الإنسان يتعاطى بشكل عام بسلوك غير قويم مع ما حوله من مكونات ومخلوقات على هذه الأرض ولا يتماهى ولا يتناغم مع القوانين التي وضعها الخالق في هذا الكوكب، والواجب أن تكون العلاقة السليمة مع الأرض وسكانها ومع غلافها الجوي ومسطحها المائي ليستفيد الانسان من خيراتها بالطريقة المطلوبة.
واستدرك فضيلته ” ولكن للأسف فالبشر هم سبب فساد الحياة على هذا الكوكب، وما يصيبنا من أزمات ونكبات ثمرة مُرّة من ثمرات سوء تطبيقنا للقوانين التي وضعها الله في هذا الكوكب. قال تعالى :” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”
أسباب المجاعات

  • فسبب المجاعات في كوكبنا ليس قلة السلة الغذائية إنما هو الجشع والاحتكار طمعا في زيادة الربح المادي الذي يؤدي بدوره إلى خلل وسوء توزيع للثروات، فأوروبا وأمريكا الشمالية والاغنياء عامة يموتون من التخمة ومن أمراض السمنة كالسكري والضغط والكوليسترول بينما الفقراء في إفريقيا وفي جنوب الكرة الأرضية يموتون من الجوع ، وعلي كرم الله وجهه يقول :”ما جاع فقير إلا بما مُتع به غنِيٌّ”. وربنا تبارك في علاه قسم الثروات سواسية بين الخلق فقال :” وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ” ، فالفقر والمجاعة التي تحصل ليس سببها قلة الغذاء وإنما الجشع الانساني وسوء توزيع الثروة بين العباد وهو ما يمحق البركة.
    مظاهر الفساد
  • من مظاهر الفساد قطع الأشجار وهذا يؤدي إلى التصحر وتغير المناخ ويحدث خللا في الطبيعة فمهمة الأشجار والغابات تنقية الهواء من غاز الكربون والغازات السامة والقاتلة، والرسول حض على الزرع حتى لو قامت القيامة :” إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها “
  • ومن مظاهر الفساد تلويث البحار وذلك يحدث خللا رئيسيا في الحياة فمهمة البحار إعادة تدوير المياة وتطهيرها لتستمر الحياة على هذا الكوكب وقد بلغت كمية النفايات الصناعية الغير قابلة للتدوير حدا لم تعد تستطيع المحيطات إعادة تدويرها، بل بات يؤثر حتى على الحياة البحرية التي تعتبر مصدرا أساسيا من مصادر الغذاء العالمي والناس في بلادنا يتباهون بالمثل الشعبي البائس الذي يقول :” إعمل منيح وارم بالبحر” ،والأصح “إعمل منيح وحافظ على نظافة البر والبحر” .
  • ومن مظاهر الفساد الغازات السامة المنبعثة من المصانع وعوادم السيارات والتي تتسبب بتلويث الهواء ورفع درجة حرارة الأرض وزيادة الاحتباس الحراري وهو ما يتسبب بقتل الناس والافساد في الأرض قال تعالى :” ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها “، وكل ذلك سببه الإنسان الذي يريد أن يكيف الطبيعة وفق مصالحه المادية ،ولا يريد أن يتكيف مع قوانين الطبيعة التي وضعها الله لهذا الكون .
  • ومن مظاهر الفساد ما يجري من طريقة سيئة لمعالجة النفايات بحيث ترقى إلى مستوى الجريمة فالمطامر غير الصحية لوثت المياه الجوفية والحرق يؤدي إلى انبعاث الغازات القاتلة والمطلوب هو فرز النفايات وإعادة تدويرها بطريقة تحفظ الإنسان، والأرض جوفها وجوها وبحرها.
  • ومن أسباب الفقر ومظاهر الفساد ، الفساد الاقتصادي الذي يتمثل بالكثير من الأوجه وأهمها النظام الربوي الذي يسلب الناس لقمة عيشهم ،والله عز وجل يقول :” يمحق الله الربا ويربي الصدقات ”
    ومن الأمثلة على المحق والفساد ما حدث في لبنان وما يزال مستمرا إلى اليوم ، فقد استدانت الحكومات اللبنانية في أواسط التسعينات من القرن الماضي 11 مليار $ لاعادة إعمار لبنان ، اليوم وبعد عقدين من الفساد لم تؤمن الكهرباء ولا الماء ولا البنى التحتية بشكل عام ودفعنا فوائد ربوية للبنوك أو ما يسمى ” خدمة دين” على المبلغ المستدان أكثر من 40 مليارا، ورغم ذلك وصل الدين إلى قرابة 100 مليار $ ، والحل يكون في تسوية مع البنوك لدفع أصل الدين دون الفوائد الربوية المترتبة عليه فأكثر الدين داخلي والمدخرون فيه أثرياء ومتنفذون.
    والله تعالى يقول :” فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون” فإن قيل ذلك يضرب الاستقرار النقدي في لبنان ، نقول إن النظام الربوي ضرب الاستقرار الحياتي في لبنان والعالم ، ولم يبقِ طبقة متوسطة وأدى إلى إفقار لبنان والعالم، وحصر الثروة في يد 3% من سكان المعمورة، وهذا أسّ الفساد.
  • ومن مظاهر الفساد أيضاً سوء اختيار القيادات المبرمج والممنهج ، فالاختيار يكون على خلفية الامكانات المادية والعصبية الطائفية، والقرآن حدد شروطا يجب أن تتوفر بمن يتصدى للمسؤولية، كالأمانة والقوة في العلم والجسم والإيمان فالله سبحانه يقول ” يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ” وذلك قلما تجده في قياداتنا.
    إن سوء اختيارنا لقياداتنا حول مجتمعاتنا من مجتمعات كرم وريادة وعطاء إلى مجتمعات فقر وتبعية واستعطاء.
  • وكذلك يبدو الفساد جليا في تحويل شعوبنا من شعوب تعطي إلى شعوب تستعطي وتحويل مجتمعاتنا من مجتمعات منتجة للأساسيات إلى مجتمعات غارقة في استهلاك الكماليات، فالفساد يجعل الكماليات حاجيات من خلال فرض سياسات استهلاكية خاطئة على مجتمعاتنا ، فأصبحت شعوبنا بمجملها شعوبا عاطلة عن العمل ، وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يقول ” لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من ان يسأل الناس أعطوه أو منعوه ”
    وختم فضيلته ” قال تعالى:” وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ …..”.
    لذلك فإن تغيير الواقع الذي نعيش، يكون بتغيير سلوكياتنا السيئة المبنية على المصلحة الفردية الآنية …
    والله تعالى أمرنا بذلك فقال :” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ”
    من هنا يجب بداية استئصال الفساد المتجذر وضارب في أعماق فكرنا وسياساتنا وسلوكياتنا الحياتية والمعيشية والسياسية، وهذا سبب تخلفنا، والتغيير هو العنوان الذي يجب أن ينطلق منه الجميع
    لذلك يجب أن نغيّر :
    من الفرقة والانقسام إلى الوحدة والوئام
    من التجزئة والقطرية إلى الإنسانية والعالمية
    من الاستهلاك إلى الانتاج
    من الكنز إلى الانفاق
    من الاقتصاد الربوي إلى الاقتصاد الاسلامي
    من الانفاق على الكماليات إلى الانفاق على الأساسيات
    من الاستعطاء إلى العطاء
    من الجهل إلى العلم
    من الكراهية إلى الحب
    من البحث عما نختلف فيه مع بعضنا إلى البحث عن المشتركات التي تجمعنا وتوحدنا …
    فمن هنا المنطلق ، ومن النفس البشرية يبدأ التغيير.

By AS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.