لعنة يوم الثلاثاء 2 أكتوبر/تشرين الأول تاريخ دخول الصحفي السعودي جمال خاشقجي إلى قنصلية بلده في إسطنبول، لا زالت تؤرق معتلي العرش في السعودية. لا تكاد تنتهي فصول الفضيحة حتى تبدأ اخرى. لا ينفك “جهابذة” السلطة عن البحث عن حلول لذلك الفعل الشنيع الذي اوقعوا انفسهم به، حتى تخرج معطيات جديدة تكذّب وتفند ما يدّعون ثم يعيدون الكرة في البحث لعلهم يصلون الى بر الأمان.

اخر ادعاءات “مملكة الرمال” ما قاله وكيل النيابة العامة السعودي شلعان الشلعان، الذي اراد ان “يجبرها فكسرها”، فالهدف بالنسبة اليه هو ابعاد التهمة عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وحتى ولو كان المتورط كل الشعب السعودي.

المؤتمر الصحافي الذي عقده الشلعان لعرض نتائج التحقيق التي توصلت اليها السعودية في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي كان تطوراً “لافتاً” لكنه امتاز بالغموض بحيث اعترف بمقتل الصحافي ووجه الاتهام الى عدد من الاشخاص السعوديين دون أن يعلن عن اسمائهم ليطلب الاعدام لخمسة “مجهولين” منهم، رامياً بالتهم على عناصر “غير منضبطة” و”تصرفت من تلقاء نفسها”، ناسفاً كل التقارير العالمية والتسريبات التركية التي تؤكد تورط مسؤولين كبار وعلى رأسهم ولي العهد السعودي في هذه القضية.

هذه البراعة بتلفيق الاحداث لوكيل النيابة لم تشفع له في رفع التهم عن ولي العهد بل ورطه وورط نفسه في العديد من الثغرات الفاضحة، والتي لا يسعنا ان نذكرها كلها بل سيتم التطرق الى بعض النقاط:

ففي النقطة الاولى قال وكيل النيابة إن أصل مهمة الفريق كانت إقناع خاشقجي بالعودة الى السعودية، ففي هذا اعتراف بأن هناك فريقاً اخذ التعليمات من قيادته في السعودية وذهب الى اسطنبول لاستعادة خاشقجي، ومن يعلم كيف تدار الأمور هناك يعرف بأن لا يمكن لاحد ان يتصرف بشيء الا بإذن، فما بالك بفريق “محترف”؟ ايعقل ان يأتي هذا الفريق من السعودية بهدف استرجاع شخص فيجتهد ويقتله من دون تعليمات؟

والجدير بالذكر هنا ان السلطات السعودية انكرت في البداية معرفتها باي شيء ، ثم تراجعت واقرت واعترفت بمقتل الصحافي عن طريق “الخطأ”، مدعيةً أن خلافا نشب بين الصحافي وبعض الموظفين في القنصلية ما أدى الى وفاته، وبعد ظهور “مجموعة الموت” المؤلفة من 15 شخصاً والتي دخلت الى تركيا في تلك الفترة ومكثت ما يقارب 24 ساعة اعترفت السعودية بأن هناك مجموعة سعودية تريد ان تحقق مع الصحافي جمال خاشقجي، وهنا يصدق النائب العام السعودي ويعترف بأنه كانت هناك مهمة مطلوبة من المجموعة الا وهي اعادته الى المملكة لكن دون قتله، لكنه وقع في تأكيد خطة السلطة ضد الرجل.

اما النقطة الثانية التي يتوقف عندها المتابع فهي امتداد للنقطة الاولى وهي عندما قال الشلعان ان “مستشارا سابقا ساهم في الإعداد لعملية خاشقجي”، ويؤكد ان المستشار السابق تم منعه من السفر وهو قيد التحقيق”. والمتابع لسير التحقيقات في القضية يعلم بأن المقصود هو سعود القحطاني الذي كان يعمل مستشاراً في الديوان الملكي السعودي وهو اكثر المقربين من محمد بن سلمان، حيث تم اعفاؤه لاحقاً من مهامه، بعد فضح امره حول مسؤوليته بالقضية.
السؤال البديهي هنا ايعقل لهذا الرجل ان يعطي امراً ما من دون العودة لابن سلمان وهو القريب منه والمطلع على مخططاته؟
والجدير بالذكر أن القحطاني كان قد توعد في تغريدة له معارضي السلطات السعودية بالقتل وطالب المواطنين بالادلاء بمعلومات لوضع هؤلاء المعارضين ضمن القائمة السوداء.
اما النقطة الثالثة التي تثير الدهشة لدى المتابع فهي عندما ذكر وكيل النيابة أن “أسلوب الجريمة عراك ثم حقن أدى لوفاة خاشقجي”، وهنا تبرز العديد من الأسئلة، اذا كان خاشقجي داخل القنصلية وهو بين يدي فريق مكون من 15 شخصا فلماذا يتم ضربه؟ واذا سلمنا جدلاً بان الرجل “الستيني” قوي كفاية حتى لا يقدر عليه 15، فلماذ تم حقنه؟ وما هو نوع الحقنة التي أعطيت له؟ ولماذا توجد حقنة اصلاً اذا لم تكن النية القتل؟ وايضاً اذا سلمنا بأن الهدف من وراء ذلك أنهم لا يريدون “شوشرة” فلماذا القتل والتقطيع؟ وهل يجرؤون فعلاً على ذلك من دون اوامر عليا؟ وان كانت هناك اوامر عليا فلماذا هم يحاكمون طالما ينفذون الاوامر ؟. ناهيك عن الاطمئنان والفرحة التي علت وجوههم عند خروجهم من القنصلية ومن ثم الى المطار ومغادرتهم إلى السعودية. ويجب أن لا ننسى أن اكثر افراد الفريق هم مرافو ولي العهد السعودي، واحدهم هو المرافق الخاص له ويدعى ماهر عبد العزيز مطرب.

اما النقطة الرابعة وهي الافظع في كلام وكيل النيابة السعودي هي أن “جثة خاشقجي تمت تجزئتها بعد القتل ونقلها إلى خارج القنصلية”، هنا لا يعلم الفرد ان كان يريد ان يضحك على هذه السذاجة السعودية او يبكي على هذا الاجرام الوحشي، فإنه ليس بعيداً على من يقتل اطفال اليمن بالطائرات ان يقطع أو يذيب جثة شخص.

لقد رفض وكيل النيابة السعودي الرد على الشائعات والتسريبات في الإعلام التركي بأن خاشقجي قطع بالمنشار بل اعترف بأنه “جُزّئ” بعد قتله، فالتجزئة لدى سعادته تختلف عن التقطيع. والجدير بالذكر هنا أن احد افراد “مجموعة الموت كان طبيب تشريح وهو سعودي ويدعى صلاح الطبيقي”، وهنا يطرح سؤال بديهي، لماذا ايضاً يكون ضمن الفريق طبيب تشريح اذا لم يكن هناك قرار بالقتل والتقطيع؟

لقد اتى بيان النائب العام كمجموعة قرائن على تورط اعلى السلطات في السعودية بتلك الجريمة البشعة مع الاقرار بوجود الكثير من النقاط التي اثارها الوكيل العام السعودي والتي تورط من يسكنون البلاط هناك، لكن يبقى السؤال الى متى سيستطيع وكيل النيابة العامة السعودي شلعان الشلعان ومن وراءه رفع التهمة عن تورط ابن سلمان مباشرة بقتل الصحافي السعودي؟؟

By AS

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.